الغناء في الشوارع... يزدهر في أوروبا ويغيب عربياً (فيديو)
لم تكن الفنانة اللبنانية الشابة أدريانا دياب تتوقع أن يتحوّل مقطع فيديو عفوياً صوّرته في أحد شوارع روما، إلى حديث آلاف المتابعين. هناك، وسط المارة، أمسكت بالميكروفون وغنّت، فتوقّف الناس، ورددوا معها الكلمات، وصفقوا، ورقص بعضهم من دون سابق موعد. لم يكن المشهد استعراضاً بقدر ما كان انعكاساً لثقافة ترى في الشارع مساحة للحياة، لا مجرد طريق للعبور.

بعد عودتها إلى بلدها حاولت دياب نقل التجربة نفسها إلى لبنان، وهذه المرة من "سي سكوير" في جونيه. كانت الحماسة نفسها حاضرة، لكن وقع التجربة كان مختلفاً. صحيح أن المارة تفاعلوا معها، إلا أن المشهد بدا لكثيرين استثنائياً، كأنه حدث غير مألوف في مدينة لبنانية.
وتقول دياب لـ"النهار" قبل أدائها المنتظر: "أنا متحمسة جداً لأنني سأغني وأرقص مع الشعب اللبناني. في أوروبا، في كل شارع تقريباً تجد شخصاً يغنّي ويعزف، أما في لبنان فما زالت هذه الفكرة جديدة. عندما انتهيت من الغناء في روما، قلت في نفسي: أتمنّى أن أرى هذا المشهد في لبنان أيضاً."
من روما إلى جونيه
كلماتها تختصر الفارق بين ثقافتين؛ ففي أوروبا، يُعرف فنانو الشوارع باسم "Buskers"، وهم جزء من المشهد الحضري منذ قرون. تعود جذور هذه الظاهرة إلى العصور الوسطى، حين كان الموسيقيون والرحالة يجوبون الساحات العامة لنقل الأخبار والحكايات والأغاني. ومع مرور الزمن، أصبحت مدن مثل روما وباريس ولندن ودبلن وبرشلونة تخصص أماكن مرخّصة للعازفين والمغنين، حتى بات وجودهم جزءاً من هوية المدينة وتجربتها السياحية.
أما في العالم العربي، ولبنان نموذجاً، فلم تتطور هذه الثقافة بالوتيرة نفسها. فالشارع لم يتحوّل إلى فضاء فني بالمعنى الأوروبي، بل بقي محكوماً بعوامل اجتماعية وأمنية وتنظيمية، فضلاً عن نظرة ترى الغناء في الأماكن العامة أمراً خارجاً عن المألوف. لذلك، غالباً ما يُقابل المغني في الشارع بالاستغراب قبل التصفيق، وبالهواتف التي تصوره قبل أن يشارك الغناء.
هل يتغيّر المشهد؟
ومع ذلك، قد تبدو الصورة في طريقها إلى التغيير. فالفيديو الذي صوّرته دياب في روما حقق انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنّ الجمهور رأى فيه مشهداً حيوياً وعفوياً يفتقده في مدنه. أما إعادة التجربة في جونيه، فبدت كأنها محاولة لاختبار سؤال أكبر: هل يمكن أن يصبح هذا المشهد جزءاً من الحياة اليومية في لبنان؟

ربما لا يتعلق الأمر بالموسيقى وحدها، بل بكيفية استخدامنا للفضاء العام. ففي المدن الأوروبية، يُعد الشارع مكاناً للّقاء والفن والتفاعل، فيما ما زالت مدن عربية كثيرة تتعامل معه بوصفه مساحة للمرور السريع فقط.
قد لا تكون جونيه اليوم نسخة من روما، لكن مجرد أن تتوقف مجموعة من الناس حول مغنية شابة، وتصفق، وتغني معها، يعني أن فكرة جديدة بدأت تشق طريقها. فالثقافات لا تتغير بقرار، بل بمشهد صغير يتكرر، حتى يصبح مألوفاً.
وربما لهذا السبب تحديداً حصد فيديو أدريانا دياب كل ذلك التفاعل، لأنه لم يكن مجرد أداء غنائي، بل فتح نافذةً على سؤال أكبر: ماذا لو عاد الشارع اللبناني ليكون مساحة للفرح، لا مجرد مساحة للعبور؟
نبض