إبراهيم معلوف لـ"النهار": أستعد لأكبر حفل جاز... لكن في لبنان أبقى "ابن البلد"
هناك موسيقيون يحملون آلاتهم إلى العالم، وهناك من يحمل العالم كله داخل آلته. إبراهيم معلوف من الفئة الثانية. فمنذ أكثر من عشرين عاماً، لم يعد البوق بالنسبة إليه مجرد آلة نفخ، بل لغة كاملة يعبر بها بين الجاز والموسيقى الكلاسيكية والسينما والبوب وموسيقى العالم، حتى أصبح أحد أكثر الموسيقيين العرب حضوراً على الساحة الدولية.
لكن، وسط كل هذه المسارح، تبقى لبيروت مكانة لا ينافسها مكان آخر. ففي الـ 25 من تموز/يوليو، يعود معلوف إلى المدينة التي وُلد فيها، ليحيي حفلاً ضمن مهرجان "أعياد بيروت"، حاملاً معه برنامجاً جديداً، ومشاريع عالمية كبرى، وإيماناً راسخاً بأنّ العودة إلى الوطن لا تشبه أي محطة أخرى في حياة الفنان: "سنشارك الجمهور عرضاً بُني بكثير من الحب، والدقة، والطموح".
"في بيروت... أبقى ابن البلد"
يقول معلوف إن كل حفل يقدّمه في لبنان يحمل معنى مختلفاً، مهما اتسعت جولاته العالمية أو تنوّعت تجاربه مع كبار الفنانين، من ستينغ وآيساب روكي إلى شارون ستون وغيرهم.
ويوضح لـ"النهار": "العزف في بيروت ليس مجرد حفل موسيقي. إنه عودة إلى الجذور، وحوار مع جمهور يعرف قصتي، وقصة عائلتي، وجذوري، ورافقني منذ البداية، حتى وإن كنت أقدّم موسيقى بعيدة عما اعتاده الجمهور".
ورغم أن أجندته الفنية تقوده باستمرار إلى أبرز المسارح العالمية، يرفض معلوف أن تتحوّل بيروت إلى محطة عابرة: "بيروت ليست محطة بين محطات جولاتي. أحب نيويورك ولندن وطوكيو وباريس ولوس أنجليس، لكن بيروت تبقى مكاناً شديد الخصوصية بالنسبة إليّ... فأنا وُلدت هنا".

أكبر حفل جاز... والطريق يبدأ من بيروت
ويكشف أن الأشهر المقبلة تحمل له تحدّياً استثنائياً، إذ يستعد لإحياء حفل في Paris La Défense Arena خلال نيسان/أبريل المقبل، يصفه بأنه سيكون أكبر حفل جاز آلي على الإطلاق، أمام نحو أربعين ألف متفرج في القاعة، إضافة إلى ثلاثين مليون مشاهد عبر البث التلفزيوني.
لكن، وسط هذا الاتساع العالمي، لا تزال قناعة واحدة ترافقه: "مهما أصبحت مسيرتي عالمية، يجب أن يعرف الفنان دائماً من أين أتى كي يبقى متواضعاً... لبنان جزء من حمضي النووي الفني".
لهذا السبب، يكتسب تقديم هذا البرنامج في بيروت، قبل أشهر قليلة من ذلك الموعد الباريسي، قيمة شخصية وعائلية كبيرة بالنسبة إليه.

ولا يعتقد معلوف أن خصوصية العزف في لبنان مرتبطة فقط بالمكان، بل أيضاً بالناس. فقد لا يكون الجمهور اللبناني مطلعاً على كل تفاصيل موسيقاه، لكنه، كما يقول، يعرف التأثيرات التي صنعت شخصيته الفنية، ويعرف تاريخ عائلته، وعمّه أمين معلوف، والبوق رباعي الصمامات الذي ابتكره والده نسيم معلوف، كما يعرف ارتباطه بهذه المنطقة من العالم، وبزوجته الفنانة هبة طوجي: "أشعر في بيروت بأنني محاط بالحب والمودّة، وهذا إحساس لا أجده في أي مكان آخر".
مع هبة طوجي... تحية جديدة للأغنية الفرنسية
وبينما يستعد للقاء جمهوره اللبناني، يواصل العمل على ألبومه الجديد "À la française" مع هبة طوجي، وهو مشروع يراه تحيّة للأغنية الفرنسية التي شكّلت جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة: "وُلد هذا المشروع من رغبة بسيطة: تكريم الأغنية الفرنسية، لأنها جزء من تاريخنا المشترك".
ويشرح أن المشروع جاء بعد سنوات طويلة من الانتقال بين عوالم موسيقية متعددة، من الجاز إلى موسيقى الأفلام، ومن التعاون مع نجوم الهيب هوب إلى البوب العالمي وموسيقى العالم، رغبة في العودة إلى موسيقى يصفها بالأنيقة والخالدة والمليئة بالمشاعر.
ويضيف أن هذا العمل يشبه، من حيث الفكرة، ألبومه السابق الذي أعاد فيه تقديم أغنيات داليدا بمشاركة ماثيو شديد، ومونيكا بيلوتشي، وآلان سوشون، وميكا، وميلودي غاردو، لكنه يرى أن المشروع الجديد أكثر رهافة: "هناك شيء أكثر أناقة وأكثر رقة، بفضل هبة".

أما على المسرح، فيؤمن معلوف بأن كل أمسية يجب أن تكون مختلفة عن سابقتها: "الألبوم صورة ثابتة، أما المسرح فهو حيّ. في كل ليلة تتغير الموسيقى، وتتنفس بطريقة مختلفة". ولهذا، يحاول أن يصنع عروضاً تتجاوز فكرة الحفل التقليدي، سواء في مشاريعه السمفونية، أو جولاته العالمية، أو تعاوناته مع فنانين ينتمون إلى مدارس موسيقية متباعدة، لأن الهدف يبقى واحداً: أن يغادر الجمهور وهو يشعر بأنه عاش تجربة لا تُنسى.
وربما لهذا السبب أيضاً استطاعت موسيقاه أن تصل إلى جمهور واسع في عشرات الدول. فمن خلال حفلاته في نحو خمسين بلداً، وترشيحه مرتين لجوائز "غرامي"، والعمل مع فنانين من ثقافات متباينة، توصّل إلى قناعة يعتبرها أساس كل ما يقدمه: "تعلّمت أن المشاعر الصادقة تسافر بسهولة أكبر من أي أسلوب موسيقي. عندما تُروى القصة بصدق، يفهمها الجميع".
ورغم أكثر من عقدين من العمل، ومئات الحفلات، والمشاركة في الموسيقى الرسمية لكأس العالم لكرة القدم إلى جانب دادي يانكي، والتعاون مع جايسون ديرولو وكيفن غيتس، لا يزال يرى أن التحدّي الحقيقي يبدأ قبل كل صعود إلى المسرح: "يبقى التحدي الأكبر أن أستمر في مفاجأة الجمهور. وأصعد إلى المسرح دائماً وكأن عليّ أن أثبت كل شيء من جديد".
ثم يضيف بابتسامة تعكس شيئاً من علاقته الخاصة بلبنان: "حتى لو أصبحت نجماً في بلدان كثيرة، تبقى في وطنك ابن البلد، وعائلتك تنظر إليك بالعين النقدية التي يعرفها اللبنانيون".
هذه النظرة، كما يقول، لا تزعجه، بل تمنحه سبباً دائماً للبحث، والابتكار... والمجازفة.
.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض