جون أشقر لـ"النهار": الستاند أب ليس نكتة… بل اعتراف (فيديو)
ميشلين أبو خاطر
في زمنٍ تُختصر فيه الكوميديا إلى مقاطع قصيرة وضحكات سريعة على وسائل التواصل، يختار جون أشقر أن يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. بالنسبة إليه، "الستاند أب ليس مجرد "ههههه هيهي"، بل هو سرد قصصي يتسم بالضعف والعفوية"، حيث لا تُقال النكتة كقفزة منفصلة، بل تُبنى كحكاية طويلة تشبه الحياة نفسها: مرتبكة، متناقضة، ومليئة بالهشاشة.
لم يكن دخوله إلى هذا العالم نتيجة قرار مهنيّ مدروس؛ فخريج الاقتصاد في جامعة القديس يوسف، والحاصل على ماجستير من معهد الدراسات السياسية في باريس، وماجستير إدارة أعمال، عمل في مجالات بعيدة تماماً عن المسرح، من العمل الإنساني إلى ريادة الأعمال، قبل أن تتسلّل الكوميديا إلى حياته تدريجياً. يقول عن ذلك لـ"النهار": "لست متأكداً حتى ممّا إذا كنت قد اتخذت يوماً قراراً بأن أكون كوميدياناً… بل أشعر وكأنني خضعت لهذا الأمر خضوعاً"، في إشارة إلى مسار بدأ عفوياً في نشاط كشفي عام 2011، ثم تطور عبر مشهد بيروتيّ ناشئ، قبل أن يتحول إلى حضور واسع على وسائل التواصل الاجتماعي وضعه في قلب المشهد الكوميدي العربي.
كوميديا ضد الاختصار السهل
ما يميز جون أشقر اليوم ليس فقط هذا المسار غير التقليدي، بل موقفه من طبيعة الكوميديا نفسها. هو يرى أن الستاند أب العربي انزلق نحو النكتة السريعة، والمحتوى القابل للاستهلاك السريع، فيما الجوهر الحقيقيّ هو السرد القصصيّ الطويل الذي يبني علاقة تدريجية مع الجمهور. ومن هنا يأتي رفضه القاطع لأسلوب الـ Crowd-work، إذ يعتبره "طريقاً مختصراً وسهلاً للغاية".
يضيف: "الستاند أب الحقيقي هو ساعة أو ساعة ونصف من السرد الحكواتي… نحن لا نطلق النكات، بل نروي قصصاً"، معتبراً أن هذا التحوّل في طبيعة العروض خلق جمهوراً يدخل القاعة وهو يتوقع مواجهة بدل تجربة فنية قائمة على الحكاية.
في المقابل، يختار أشقر أن يضع "الضعف الإنساني" في قلب تجربته المسرحية. فهو لا يبحث عن صورة الكوميدي الكامل أو الذكي، بل عن الكوميدي الصادق، القادر على الاعتراف بهشاشته. يقول: "إظهار الضعف والعفوية هو شكل حديث جداً من أشكال القيادة"، مشيراً إلى أن الجمهور بات أكثر تقبلاً لفكرة الإنسان غير المكتمل، بل وأكثر انجذاباً إليها. ومن تجربته الشخصية، خصوصاً مع دخوله مرحلة الأبوة، يقرّ بصراحة: "أعتلي المسرح وأقول بكل صدق: ليس لديّ أدنى فكرة عما أفعله"، وهو اعتراف يحوّل لحظة الوقوف على الخشبة إلى مساحة مشتركة من الشك والصدق بدل الاستعراض.
لبنان كمختبر للعبث اليومي
لا ينفصل هذا الأسلوب عن البيئة التي جاء منها. فلبنان، بكل تناقضاته وأزماته، يشكّل بالنسبة إليه مادّة خام لا تنضب للكوميديا، ليس لأنه بلد مضحك بحد ذاته، بل لأنه بلد يعيش على حافة العبث، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى مادة للسخرية من دون أي تصنّع. ومع انتقاله إلى دبي، لم تتغير هذه المادة، لكن الجمهور تغيّر، إذ بات أكثر تنوعاً، ما بين لبنانيين وسوريين ومصريين وفلسطينيين، وهو ما فرض عليه إعادة صياغة خطابه ليصبح أكثر عولمة من دون أن يفقد جذوره.

من أبرز محطاته أيضاً عروضه في سوريا، حيث وجد جمهوراً يتعامل مع الكوميديا كمساحة تنفّس حقيقية أكثر من كونها ترفاً، ما عمّق لديه فكرة أن الضحك ليس مجرّد ترف بل حاجة إنسانية في سياقات معينة.
يبقى أشقر حريصاً على كسر التابوهات التقليدية على المسرح، من الدين إلى السياسة والطائفية، لكن ليس بهدف الاستفزاز، بل لبناء علاقة ثقة مع الجمهور. فهو يؤمن بأن الحرية في الكوميديا لا تُمنح مسبقاً، بل تُكتسب عبر الصدق والاستمرارية.
يختصر أشقر تجربته كلها بسؤال أصبح عنواناً لعرضه: "وين عايش؟"، سؤال بسيط في ظاهره، لكنّه يعكس حالة جيل يعيش بين الأزمات والانقطاعات والارتباك المستمر، ويحاول أن يجد معنى ما وسط كل ذلك… ولو بالضحك.
نبض