رحيل "مؤرخ الدراما".. وفاة عبد العزيز مخيون عن 83 عاماً والمشهد الأخير يتحول إلى حقيقة
فقد الفن العربي، اليوم الأربعاء، واحداً من أبرز أعمدته التاريخية، إذ غيّب الموت الممثل المصري المخضرم عبد العزيز مخيون عن عمر ناهز الـ 83 عاماً، بعد تدهور سريع في حالته الصحية خلال الأيام الماضية، استدعى نقله إلى غرفة العناية المركّزة في أحد مستشفيات الإسكندرية، حيث أسلم الروح.
وأعلنت أسرة الراحل تفاصيل الوداع الأخير، مؤكّدة أن صلاة الجنازة وتشييع الجثمان سيتمّان عقب صلاة عصر اليوم في المسجد الكبير بقرية "زكي أفندي القبلية" التابعة لمركز أبو حمص بمحافظة البحيرة، مسقط رأسه، على أن تُقام مراسم العزاء في القرية ذاتها. وفي سياق متصل، نعى يونس مخيون، الرئيس الأسبق لحزب النور السلفي وابن شقيقة الراحل، خاله بكلمات مؤثرة، داعياً له بالرحمة والمغفرة وللأسرة بالصبر والسلوان.
ورحل مخيون تاركاً خلفه خمسة أبناء، وإرثاً فنياً وفكرياً ضخماً، ومواقف وطنية بارزة كونه أحد الرموز المؤسسة لحركة "كفاية" المعارضة.
من "عزبة مخيون" إلى الفن: شرارة الموهبة الأولى
وُلد مخيون في محافظة البحيرة عام 1943، وبدأت تتشكل بذور عبقريته الفنية من رحم الريف المصري البسيط في "عزبة مخيون". كانت طفولته عبارة عن مسرح مفتوح، حيث امتلك قدرة فطرية على "التقليد" لفتت أنظار الكبار. جسّد ببراعة حركات وتصرفات "أبو سطيحة"، غفير قبائل العرب، وتقمص انفعالات والده في اللحظة التي أمسك فيها بندقيته ليتربص بثعلب افترس دواجن المنزل. كما كان لعمه المثقف، صاحب الصوت الجهوري والمكتبة الضخمة، نصيب من محاكاة مخيون، خاصة عندما كان يتحدث بحماس عن صديقه طبيب الإسكندرية الشهير "حليم زكي".
هذه الموهبة الفطرية التي شبّهها الراحل ببدايات الفنان صالح منصور، التقطها "حمدي عزب"، معلمه في مدرسة "بني منشأة دمسنا" الابتدائية (الآتي من دمنهور)، ليمنحه أول دور مسرحي يقف به أمام أهالي القرية في حفل نهاية العام.
.jpeg)
بين وتر الكمان وخشبة المسرح: صراع الشغف
تطورت ملكات مخيون في المرحلة الإعدادية بمدينة أبو حمص، حيث أتقن الخطابة في طابور الصباح، وبدأ رحلته مع الموسيقى على يد معلم من الإسكندرية علّمه مبادئ العزف، ليدعمه والده بشراء آلة "كمان". وفي المرحلة الثانوية، كاد مخيون يبتعد كلياً عن التمثيل، متيماً بالموسيقى السيمفونية التي كان يحللها الدكتور حسين فوزي في "البرنامج الثقافي الثاني"، ليحلم في أن يصبح عازفاً ومايسترو.
لكن القدر تدخل في عامه الثانوي الأخير عبر معلم اللغة الإنكليزية "محمد غنيم"، الذي أعاده إلى الأضواء باختياره لبطولة المسرحية البريطانية "مخلب القرد" على مسرح مدرسة دمنهور. وبعد الثانوية، سافر إلى القاهرة حاملاً حلميه؛ ورغم إخفاقه في الالتحاق بالمرحلة العليا لمعهد الموسيقى، شق طريقه بقوة نحو أكاديمية الفنون، ليتخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية وليؤسس لبداية فنية يصفها بـ"الشرعية".
التأسيس الأكاديمي والخبرة العالمية
لم يكتفِ مخيون بالموهبة، بل صقلها بالدراسة. التحق بفرقة التلفزيون المسرحية، وأسس "مسرح الفلاحين"، ثم طار إلى أوروبا بمنحة دراسية حكومية فريدة، تنقل خلالها بين "جامعة سان سيه" الفرنسية، و"مدرسة سترابورج الإيطالية"، وتجوّل في مسارح إنكلترا لاستكشاف المدارس العالمية. ورغم أن هذه الرحلة عطلت مسيرته محلياً وكبدته خسائر مادية، فإنها منحته ثراءً معرفياً لا يُقدّر بثمن.
وبعد عودته، دشّن انطلاقته التلفزيونية بمسلسل "لا إله إلا الله"، والتقى الكاتب أسامة أنور عكاشة للمرة الأولى في "أبواب المدينة"، علماً بأنه شارك قبل سفره في رائعة الأبيض والأسود "ميرامار" رفقة عمالقة أمثال صالح منصور، عبد الرحمن الزرقاني، عزت العلايلي، أبو بكر عزت، وحيد سيف، رجاء الجداوي، وزوزو ماضي.
ثنائية أحمد زكي وكاميرات كبار المخرجين
في السينما، يُعدّ مخيون رقماً صعباً ارتبط بكبار مخرجي الواقعية والسينما البديلة. ترك بصمة لا تُمحى مع النجم أحمد زكي في فيلمي "الهروب" (في دور الضابط المأزوم سالم) و"حسن اللول"، وهو نجاح بُني على كيمياء فنية وانسجام تشكّل خلال جلساتهما الطويلة في مقهى قديم في شارع قصر النيل.
وأثرى الشاشة الذهبية بأعمال فارقة مثل "البريء"، "دم الغزال" للكاتب وحيد حامد، دور "الدكتور مؤنس" في "دكان شحاتة" مع خالد يوسف، فضلاً عن تعاونه مع المخرج العالمي يوسف شاهين في "حدوتة مصرية"، ومحمد خان في "فارس المدينة".
عُرف مخيون، طوال مسيرته، بصرامته في اختيار أدواره، مؤكداً أنه لم يندم قطّ على عمل رفضه، إذ كان يقاطع أي عمل يهبط بالمستوى الفني أو يناقض معتقداته السياسية.
عبد الوهاب وعبقرية التقمص التلفزيوني
لعبت الصدفة دوراً في أحد أهم أدوار حياته. أثناء تواجده في العراق لتقديم مسرحية "وا عربتاه" (التي لم تكتمل)، لاحظ فنان عراقي يُدعى "صادق" الشبه الكبير بينه وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب. لم يقتنع مخيون حتى رأى فيلماً قديماً لعبد الوهاب يُعرض ظهراً في رمضان، ليُذهل من التطابق. التقط المخرج إبراهيم الصحن هذا الخيط عام 1984 ليختاره لمسلسل "أمير الشعراء". وحرصاً على الإتقان، زار مخيون عبد الوهاب في منزله وقرأ أمامه المشاهد ليصوب له تفاصيل شخصيته، ليعود ويجسد نفس الدور لاحقاً ببراعة في مسلسل "أم كلثوم" وفيلم "كوكب الشرق".
استمر مخيون في هندسة شخصيات لا تُنسى في ذاكرة الدراما، مثل "طه السماحي" في "ليالي الحلمية"، وأدواره في "الشهد والدموع"، "بوابة الحلواني"، وصولاً إلى السنوات الأخيرة بأعمال مثل "البرنس"، "جزيرة غمام"، و"سوق الكانتو".
أما في أدوار القيادات السياسية، فقدم دروساً في الأداء الباطني الملتزم بالنص، كما فعل بشخصية "حسن الهضيبي" في مسلسل "الجماعة"، وشخصية "محمد بديع" في "الاختيار 3". كان مخيون يستحضر الشخصية قبل ساعتين من التصوير، يحمل السيناريو في سيارته وعلى مائدة طعامه، ليذوب تماماً في تفاصيل الدور متسلحاً بصور وفيديوهات الأرشيف.
.jpg)
العودة إلى الجذور.. ونبوءة الوداع في "إفراج"
رغم نجاحه الطاغي، ظل مخيون غريباً عن صخب العاصمة. هرب من تلوث القاهرة، وازدحام سياراتها، وهدر طاقاتها، ليعود ويبني منزلاً في مسقط رأسه في الريف، حيث الطبيعة والهدوء والتنظيم الدقيق، وهو النظام الذي سمح له في رمضان 2024 بتصوير ثلاثة أعمال درامية متزامنة دون مشقة.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تجلت في موسم دراما رمضان 2026، حيث أطل مخيون عبر مسلسل "إفراج" مجسّداً شخصية محورية انتهت رحلتها بمشهد تراجيدي جسّد فيه الموت ببراعة أبكت الجماهير. وما هي إلا فترة قليلة حتى تحول هذا المشهد الخيالي إلى واقع مأساوي برحيله الفعلي، ليكون آخر ظهور له على الشاشة بمثابة "مرثية وداع" كتبها بنفسه للجمهور.
نبض