رحيل عبد الرحمن أبو زهرة... "الأسد الملك" في جلباب الدراما المصرية
في البيوت العربية، لم يكن الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة مجرد ممثل يمرّ في مشهد ثم يختفي. كان يشبه ذلك القريب البعيد الذي تعرف ملامحه جيداً، حتى لو لم تلتقه يوما. بصوته الخشن الدافئ، ونظرته التي تحمل شيئا من الحكمة والتعب والسخرية معا، دخل إلى ذاكرة أجيال كاملة من دون استئذان، وبقي فيها طويلًا.
رحل عبد الرحمن أبو زهرة عن 92 عاما، تاركاً خلفه زمنا كاملا من الفن المصري حين كان الممثل يُقاس بقدرته على منح الشخصية روحا، لا بقدرته على تصدّر الملصق الدعائي.

كان من أولئك الذين لا يحتاجون بطولة مطلقة كي يسيطروا على المشهد. يكفي أن يظهر حتى يتغيّر إيقاع العمل. في حضوره شيء من المسرح القديم، من الانضباط، ومن الإيمان بأن الفن ليس استعراضا بل موقف أخلاقي أيضا. ربما لهذا بدا دائما أكبر من الأدوار نفسها.

حين يظهر “المعلم سردينة” في لن أعيش في جلباب أبي، لا يبدو كشخصية مكتوبة فقط، بل كرجل حقيقي تعرفه الحارات العربية جيدا. ممثل يقول القليل لكنه يترك أثرا طويلا. وحين أدّى أدواره التاريخية، بدا كأن صوته خُلق أصلا لزمن آخر، زمن السلاطين والخطباء والرواة.
حتى الأطفال الذين لم يعرفوا ملامحه جيدا، عرفوا صوته. كان “سكار” في النسخة العربية من "The Lion King"، ذلك الشرير الذي أخاف جيلا كاملا، لكن بصوت يحمل فخامة مسرحية لا تُنسى. قليلون استطاعوا أن يجعلوا الأداء الصوتي فنا قائما بذاته كما فعل هو.
أبو زهرة جاء من زمن المسرح القومي، من خشبة كانت تُخرّج ممثلين يعرفون معنى الوقوف أمام الجمهور. تخرّج في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1958، وعبر من المسرح إلى التلفزيون والإذاعة والسينما من دون أن يفقد صرامته الفنية.
وربما كانت أجمل صفاته أنه لم يطارد الضوء يوما. بقي وفيا لفكرة "الفنان" أكثر من فكرة "النجم". لم يكن ابن الضجيج، بل ابن الأداء المتقن. لذلك، حين تقدّم به العمر وابتعد عن الشاشة، لم يختفِ فعلاً. ظل حاضرا عبر مشاهد محفوظة في الذاكرة الجماعية، تُعاد كما لو أنها جزء من الحياة اليومية نفسها.
نعاه ابنه بكلمات تشبهه: “مات الفنان المناضل من أجل القيمة والأخلاق". وربما هذه الجملة تختصره أكثر من أي سيرة فنية. فقد كان ينتمي إلى جيل اعتبر الفن مسؤولية، لا مجرد مهنة.
برحيله، تفقد الشاشة العربية واحدا من أصواتها الثقيلة، تلك الأصوات التي كانت تمنح الشخصيات عمرا أطول من أعمار أصحابها. رحل الرجل الذي جعلنا نصدّق أن الممثل الحقيقي لا يشيخ… لأنه يبقى، ببساطة، في ذاكرة الناس.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض