ندى أبو فرحات لـ"النهار": الضحكة في زمن الحرب فعل بقاء… انتظروا "حَنّة"
في بلد اعتاد أن ينهض من تحت الركام، حيث تهزّ الصدمات اليومية حياة الناس وتعيد صياغة تفاصيل وجودهم، يبدو قرار الاستمرار في العمل الفني ليس مجرد خيار، بل فعل بقاء.
الممثلة اللبنانية ندى أبو فرحات ترى أنّ الفن في زمن الحرب ليس مجرّد أداء على خشبة المسرح، بل أداة للتعبير عن الذات، ووسيلة للحفاظ على التوازن النفسي في مواجهة الضغوط اليومية. بالنسبة إليها، الاستمرار يعني الاحتفاظ بشيء من الحياة وسط الفوضى، ومقاومة اليأس، وإشاعة أمل ولو بسيط بين الناس.
في مبنى "النهار"، التقيتُ ندى أبو فرحات لتتحدث بصراحة عن اللحظة الفاصلة، التي يجد فيها الفنان نفسه أمام خيارين: التوقف أو المواجهة. بالنسبة إليها، لم يكن قرار الاستمرار مجرد مسألة مهنية، بل كان موقفاً إنسانياً، يعكس تمسّكها بالحياة وبالفن كوسيلة للنجاة النفسية. تكشف في هذا اللقاء عن كواليس مسرحيتها الجديدة "حَنّة"، التي اختارت أن تحمل الكوميديا إلى خشبة المسرح في زمن مثقل بالأخبار الثقيلة، وأن تسلّط الضوء على شخصيتها، وعلى عمق الرسالة التي ترغب في إيصالها، كما تتحدث عن مشاريعها المقبلة ورؤيتها إلى اختيار الأدوار في الدراما التلفزيونية.
* اليوم، الفنان في زمن الحرب أمام خيار صعب: التوقف أو الاستمرار. لماذا اخترتِ الاستمرار؟
القرار لم يكن سهلاً، وأشعر بأن سؤالك في محلّه. أول ما بدأت الحرب، مثل كلّ لبنانية، شعرت بالخوف والارتباك والغضب، وظهرت أمامي علامات استفهام كثيرة: إلى أين نحن ذاهبون؟ لماذا حدثت هذه الأمور؟ كل هذه التساؤلات تجعلك تفكرين في الانسحاب. لكن في الوقت نفسه، كفنانة، كان يهمني عملي وبلدي، وشعرت بأنه من الضروري أن أواصل، مع أولئك الذين لديهم الإرادة نفسها. نحن منذ صغرنا نعمل وسط ظروف صعبة، حتى تحت القصف، لذلك القرار كان نوعاً من استمرار الحياة وليس مجرد عمل.
* كيف انعكس هذا القرار على حياتك اليومية ونفسيتك؟
الاستمرار أعطاني هدفاً يومياً. كل صباح أصحو وعندي سبب لأكمل نهاري، وهذا يحمي من الفراغ الذي قد يكون أخطر من التعب الجسدي. إنه شعور بالسيطرة على الحياة رغم الظروف، وطريقة لإعادة تنظيم الطاقة الداخلية، وتوجيهها نحو ما يمكن تحقيقه.

* كيف وُلد مشروع المسرحية الجديدة "حَنّة"؟
المشروع بدأ قبل الحرب، من كتابة وإخراج إيلي كمال. كنا قد بدأنا العمل، ثم لمّا اندلعت الحرب توقفنا قليلاً، قبل أن يعود الجميع بإصرار على متابعة المشروع. كان واضحاً أن المسرحية تمثّل مساحة حياة للفريق وللفن، ومساحة لإعادة إنتاج لحظات الأمل حتى في أحلك الظروف. بالنسبة لي، كان المشروع فرصة للتعبير عن همومنا ومخاوفنا بطريقة فنية، مع الاحتفاظ بالجانب الإنساني والكوميدي.
*ما قصة المسرحية والشخصية التي تؤدّينها؟
المسرحية تدور حول امرأة مسنّة بين السبعين والثمانين، تتعرّض لحادث، وتدخل إلى المستشفى مجهولة الهوية. ألعب دورها وأتظاهر بالخرف والنسيان. داخل المستشفى، هناك ممرضة، راهبة مسؤولة عن الأقسام، ومحقّق، يحاولان معرفة هويتها. أثناء البحث، يكشف العرض خبايا الشخصيات الأخرى، ويعكس الضياع الذي يعيشه اللبناني في حياته اليومية. رغم أن المسرحية كوميدية، فإن هناك بعداً عميقاً للهوية والانتماء، وربطاً بين الضياع الفرديّ والجمعيّ.
* هل تحمل المسرحية بعداً رمزياً عن الهوية اللبنانية؟
بالتأكيد. فكرة الهوية هي محور المسرحية، ليست فقط هوية المرأة المسنّة، بل هوية كل شخصية وحتى هوية اللبناني بشكل عام. نحن نعيش مرحلة فيها الكثير من الضياع، وصعب على الفرد أن يعرف نفسه أو يعبّر عنها. المسرحية تحاول تقريب هذا الواقع بطريقة كوميدية فتجعل الجمهور يتفاعل ويضحك، لكنه في الوقت نفسه يفكر.
لماذا اخترتم الكوميديا في هذا العمل؟
الناس بحاجة إلى الضحك، خصوصاً في زمن الحرب. لا نريد زيادة الحزن عليهم، بل توفير مساحة لتخفيف التوتر والضغط النفسي. الكوميديا هنا ليست سطحية، بل تحمل رسائل عميقة، وتطرح أوجاعاً حقيقية بطريقة تجعلها مقبولة وممتعة للجمهور.
* هل يعتبر المسرح اليوم وسيلة علاجية؟
بلا شك. المسرح هو علاج لنا كممثلين لنخرج من الحالة النفسية الصعبة ولنستمر؛ وهو علاج للجمهور أيضاً. عندما يحضر الناس، يضحكون وينسون همومهم ولو لفترة قصيرة. الضحكة ليست رفاهية، بل ضرورة لإعادة التوازن النفسي.
ماذا عن فريق العمل؟
نحن أربعة على خشبة المسرح: أنا، جويس أبو جودة، سلمى شلبي، وكريم شبلي. هناك كيمياء رائعة بيننا. العرض سيكون على مسرح مونو، الذي ظل مفتوحاً منذ اليوم الأول للحرب، وتحية كبيرة لجوزيان بولس ولكل من يدعم المسرح ويستمر في تقديم الفن رغم الصعوبات.

*متى يبدأ عرض "حَنّة"؟
الافتتاح سيكون في 23 أبريل/نيسان، وسنستمر حتى مايو/أيار حسب الظروف. في لبنان، لا شيء مضمون، لكننا نواصل تقديم ما علينا، لإيصال رسالة الأمل والمتعة.
* على صعيد الدراما، هل سنراك قريباً؟
أنا دائماً أختار الشخصيات بعناية. الشخصيات التي عُرضت عليّ أخيراً لم تكن عند مستوى توقعاتي؛ لذلك أفضّل عدم المشاركة إذا لم أكن مقتنعة. الفن بالنسبة لي مسؤولية، ولا أريد تقديم شيء أقلّ من مستوى توقّعات الجمهور.
* وماذا عن مشاريعك الجديدة؟
نعمل حالياً على مسلسلات قصيرة (Mini series) مع مجموعة من الكتّاب، مستوحاة من الواقع الذي نعيشه. هناك مفاوضات مع منصّة لعرضها، وإن شاء الله سترى النور قريباً.
* ماذا تقولين للجمهور اليوم؟
أقول لهم إن حضورهم مهمّ جداً. المسرح ليس مجرّد عرض، بل مساحة أمل وطمأنينة، ولو كانت قصيرة. الضحكة اليوم ليست رفاهية، بل فعل بقاء... وربما هي أبسط طريقة لنقول إننا ما زلنا هنا.
نبض