من "الدلعونة" إلى "القدود"... كيف حفظت الألحان السورية تاريخ الناس وتحوّلاتهم؟

فن ومشاهير 30-03-2026 | 12:23

من "الدلعونة" إلى "القدود"... كيف حفظت الألحان السورية تاريخ الناس وتحوّلاتهم؟

 تنقّلت الألحان بين الطقوس الدينية والحياة الشعبية، وتحوّلت الكلمات، لكن بقي الجوهر واحداً: موسيقى تعبّر عن الناس وتحفظ ذاكرتهم.
من "الدلعونة" إلى "القدود"... كيف حفظت الألحان السورية تاريخ الناس وتحوّلاتهم؟
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

شكل التراث الغنائي السوري واحداً من أقدم أوجه التعبير الثقافي في المنطقة، إذ يمتدّ بجذوره إلى عمق الحضارة السورية التي لا يمكن فصل موسيقاها عن تاريخها الأدبي والإنساني. فمن هذه الأرض، وتحديداً  من سورية انطلقت أولى الإشارات الموسيقية المدوّنة في التاريخ، لتؤسس لمسار طويل من الإبداع الصوتي الذي رافق الإنسان في تفاصيل حياته اليومية. وعلى مرّ العصور، تنقّلت الألحان بين الطقوس الدينية والحياة الشعبية، وتحوّلت الكلمات، لكن بقي الجوهر واحداً: موسيقى تعبّر عن الناس وتحفظ ذاكرتهم.

 

وفي هذا السياق، يشير المايسترو السوري إياد حنّا إلى أن هذا الإرث الضارب في القدم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجذور الحضارة السورية، خصوصاً أنّ دمشق شكّلت واحدة من أهم المحطات التي شهدت البدايات الأولى للتدوين الموسيقي في التاريخ، في دلالة على عمق هذا الحضور واستمراريته.

 

 

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 

 

ويُبيّن أن العديد من الأعمال الغنائية التراثية التي ما زالت متداولة حتى اليوم، تعود في أصولها إلى مراحل تاريخية موغلة في القدم، حيث ارتبطت ببداية نشوء المجتمعات الزراعية، فرافقت مواسم الحصاد والعمل في الأرض، كما حضرت في العادات والتقاليد، وفي طقوس الفرح والحزن، من المدح إلى الرقص والدبكة، لتشكّل بذلك مرآة حقيقية لحياة الناس وتحوّلاتهم.

ومع نشوء الكنيسة، دخلت بعض هذه الألحان الدنيوية إلى الإطار الديني، حيث أُعيد توظيفها ضمن التراتيل بكلمات روحية، قبل أن تعود لاحقاً إلى سياقها الشعبي، فيما عُرف لاحقاً بـالقدود، وهي في جوهرها أعمال قديمة جداً، حافظت على ألحانها رغم تغيّر الكلمات والسياقات.

 

 

المايسترو السوري إياد حنّا
المايسترو السوري إياد حنّا

 

ومن أبرز النماذج التي يوردها حنا "على دلعونة"، التي تُعدّ من أكثر الأغاني حضوراً في الوجدان الشعبي. ووفق العديد من الباحثين في التاريخ الموسيقي، ومنهم الفنان الراحل زكي ناصيف، فإن أصل الكلمة يُرجّح أن يكون سريانياً، "دي العونة"، أي طلب العون والمساعدة. إذ كانت تُغنّى في سياقات جماعية، كدعوة لأبناء القرية للتجمّع ومساعدة بعضهم البعض، سواء في بناء المنازل أو في مواسم الحصاد، حيث كانت تترافق مع الدبكة وإيقاعات العمل الجماعي.

ويضيف أن هذا النمط من الغناء لم يبقَ محصوراً في سياق واحد، بل تطوّر مع الزمن، فانتقل من العمل إلى الفرح، ومن الفرح إلى الحزن، ليُستخدم أحياناً في النواح والتعبير عن الأسى، ما يعكس مرونته وقدرته على مرافقة الإنسان في مختلف حالاته النفسية والاجتماعية.

ويؤكد حنا أن نسبة كبيرة من الأغنيات والأهازيج التي تُغنّى اليوم في المناسبات مثل "تحت هودجها" تعود في جذورها إلى هذا التراث القديم جداً، لكنها خضعت مع مرور الزمن لعمليات تطوير وتحوير، سواء على مستوى الكلمات أو الأداء، في حين بقي اللحن حاملاً لذاكرة المكان والإنسان.

 

 

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 

وبين الماضي والحاضر، يبقى التراث الغنائي السوري حيّاً، يتردّد في أصوات الناس ومناسباتهم، شاهداً على حضارة عريقة لم تنقطع، بل استمرّت في إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة. ورغم أن الكثير من معاني هذه الأغاني وأصولها باتت مجهولة لدى البعض، إلا أنها ما زالت تحمل في طيّاتها تاريخاً طويلاً من الحكايات والتجارب الإنسانية، التي كُتبت ولحّنت على إيقاع الحياة.

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/29/2026 9:22:00 PM
تهديد إيراني يطال الجامعات المرتبطة بالغرب وسط تصاعد التصعيد في المنطقة
دوليات 3/29/2026 11:11:00 PM
قراصنة ينشرون صورة لسارة نتنياهو مع إبستين وسط غموض حول صحتها
ايران 3/29/2026 2:21:00 AM
نصح الحرس الثوري "موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد" على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.
لبنان 3/29/2026 1:34:00 PM
وزارة الأشغال العامة والنقل توضح الأخبار المتداوَلة عن إلغاء رحلات في مطار رفيق الحريري الدولي- بيروت