"القيصر لا زمان ولا مكان"... صفوان نعمو لـ"النهار": توثيق لـ14 عاماً من عذابات السجون
ليس سهلاً أن يُعاد فتح الذاكرة على وجع لم يلتئم بعد. سنوات مرّت كأنها عمرٌ كامل، حملت للسوريين فصولاً من القمع والخوف والقتل والانتظار، وتركت في كل بيت حكاية، وفي كل قلب ندبة. ومع عرض مسلسل "القيصر لا زمان ولا مكان" عاد الجدل، وانقسمت الآراء بين من رأى فيه ضرورة توثيق، ومن رفض تحويل معاناة المعتقلين إلى مادة إنتاج فني ومن اعتبره إعادة استحضار لألم لم يبرد بعد. بين الوجع والواجب، تقف الدراما هذه المرّة في مواجهة ذاكرة شعب.
الجدل... بين التوثيق وفتح الجراح
منذ انطلاق عرض العمل، تصاعدت موجة من النقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تراوحت بين دعم واضح لفكرة كشف ما جرى في السجون السورية، ومطالبات صريحة بتوقيف المسلسل بدعوى أن توقيته "مبكر" وأن مشاهده القاسية تعيد إنتاج الألم.

ردّ المخرج: ما من أحد فرض علينا توقيف العمل
في خضم هذا الجدل، أكد مخرج العمل صفوان أبو نعمو عبر "النهار" أن العمل مستمر في عرضه ولم يُطلب منه التوقّف او فرض عليه ذلك ، وأنه استغرق قرابة ثلاثة أشهر من التصوير، تلتها مرحلة مونتاج مطوّلة قبل العرض، نافياً أي ضغوط لإيقافه. وشدد على أن المسلسل لا يهدف إلى الصدمة أو الإثارة، بل إلى توثيق مرحلة تاريخية عاشها السوريون خلال 14 عاماً.
ما ظهر على الشاشة... أقلّ مما حدث بكثير
وحول الجدل المتعلق بإعادة تجسيد مشاهد السجون والتعذيب، شدد مخرج العمل على أن الهدف توثيقي بالدرجة الأولى وما يُعرض هو جزء بسيط جداً، ربما واحد بالمئة، من القصص الحقيقية التي حدثت. العمل لا يسعى إلى إعادة إنتاج الألم، بل إلى توثيق مرحلة تاريخية، وإيصال صورة عمّا كان يجري "تحت الأرض"، خصوصاً أن كثيرين لم يكونوا يدركون حجم ما كان يحدث في السجون، معتبراً أن الدراما وسيلة قادرة على الوصول إلى جمهور واسع، وربما أبعد مما تفعله الكتب أو الأفلام الوثائقية.
لم يكن التأثر حكراً على المشاهدين بحسب فريق العمل، كثير من الممثلين وحتى الفنيين عاشوا حالة وجدانية عالية أثناء التصوير. في مشاهد "الماستر"، كما رُوي، كان الصمت يخيّم على المكان، وتغلب الدموع على عيون البعض، لأن المرحلة التي يجري تجسيدها ليست خيالاً بعيداً، بل واقع عاشه الجميع بدرجات مختلفة.
فالحديث هنا لا يتناول قصة عابرة، بل تجربة جمعية يعرف تفاصيلها السوريون، ويعرفون كيف كان القمع، وكيف كان الخوف، وكيف كانت الحكايات التي بقيت طيّ الكتمان "تحت الأرض".

معايير اختيار الفنانين في العمل
أما عن اختيار الممثلين، فأكد المخرج نعمو أن المعيار كان فنياً بحتاً، وأن أي فنان سوري موجود على الأرض السورية ويملك الأدوات والإمكانيات مرحّب به. وشارك في العمل فنانون من خلفيات مختلفة ومنهم من كان معارضاً لنظام الأسد مثل عبد الحكيم قطيفان ونوار بلبل وسامر كحلاوي في محاولة لتجميع الطاقات ضمن لوكيشن واحد، بروح مهنية قائمة على التعاون، بعيداً عن الاصطفافات السابقة.
الرسالة كما قال المخرج أن الفن مساحة جامعة، حتى وإن اختلفت المواقف السياسية في مراحل سابقة.
نظام "الثلاثية" لتكثيف الحكايات
أكد المخرج نعمو أيضاً أن العمل اتبع نظام "الثلاثية"، بحيث تتناول كل ثلاث حلقات قصة مختلفة، بهدف تقديم أكبر عدد ممكن من القصص ضمن إطار درامي واحد. هذه البنية سمحت بتسليط الضوء على نماذج متعددة من التجارب، دون الاكتفاء بخط سردي واحد.
وبحسب صُنّاع العمل، فإن بعض الثلاثيات حملت مشاهد "يدمع لها القلب"، فيما ستأتي ثلاثيات أخرى أكثر ملامسة للمشاعر، في محاولة لرسم صورة بانورامية عن تلك المرحلة.

بين النقد والرسالة
لم يتنصل المخرج نعمو من النقد، بل أكد استعداده لتقبّل أي رأي "بصدر رحب"، داعياً الجمهور إلى مشاهدة العمل كاملاً قبل إصدار الأحكام. فبرأيه، الهدف ليس إثارة الجدل، بل تثبيت ذاكرة درامية لمرحلة لا يجوز أن تُمحى.
وفي ظل السؤال المتكرر: "لماذا الآن؟"، كان الرد أن توثيق التاريخ لا يخضع لتوقيت مثالي، وأن الدراما قد تكون أداة لطرح الأسئلة الكبرى أمام الرأي العام، محلياً ودولياً.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الدراما أن تكون مرآة للحقيقة دون أن تعيد الألم؟ أم أن مواجهة الذاكرة، مهما كانت قاسية، هي الخطوة الأولى نحو الفهم والمحاسبة؟
بين من يرى في "القيصر: لا زمان ولا مكان" توثيقاً ضرورياً، ومن يعتبره جرحاً يُعاد فتحه، تبقى الحقيقة أن الذاكرة السورية لا تزال حيّة... وأن الفن، شاء البعض أم أبى، سيبقى أحد ميادين هذا الصراع بين النسيان والتوثيق.
نبض