باسم ياخور يكشف لـ"النهار" تفاصيل جديدة عن "سعادة المجنون"
يواصل مسلسل "سعادة المجنون" حضوره القوي على الشاشة، محققاً نجاحاً كبيراً وتفاعلاً جماهيرياً واسعاً مع تصاعد أحداثه، ومؤكداً أن الرهان على النص المتماسك والبطولة الجماعية هما الأقدر على استعادة وهج الدراما السورية. في صلب هذا النجاح، يبرز أداء النجم السوري باسم ياخور الذي يجسّد شخصية "أشرف صبري"، واحدة من أكثر الشخصيات غموضاً في العمل، وخصوصاً خبايا علاقته "الملتبسة" بشقيقه "أوس صبري" (عابد فهد)، بعد ترك الأخير شقيقه مصاباً بشكل بالغ في حادث سيارة.
"أشرف صبري" هو المحامي الذي تولّى الدفاع عن شقيقه، لينجح في إخراجه من السجن عبر شهادة جنون وفقدان أهلية عقلية، في خطوة قانونية شديدة الحساسية، فتحت الباب أمام أسئلة أخلاقية وقانونية معقّدة. غير أن المفارقة الدرامية الكبرى تكمن في أن أشرف نفسه، بعد هذه الواقعة، يصعد إلى منصة القضاء، ليصبح قاضياً يفترض به أن يكون حارس العدالة، في وقت كان قد استخدم ثغرات القانون لإنقاذ أقرب الناس إليه.
منذ انطلاق العرض، شكّلت هذه المفارقة أحد أعمدة التشويق في المسلسل. فالشخصية لا تُقدَّم بصفتها شريرة أو انتهازية بالمعنى المباشر، بل كرجل يسير بين انتمائه العائلي وضميره المهني، بين إيمانه بالقانون وقدرته على تطويعه. هنا تحديداً يتجلّى تميّز أداء ياخور، الذي بنى الشخصية بهدوء تصاعدي، معتمداً على طبقات داخلية دقيقة، ونظرات محسوبة، وتحكّم لافت بإيقاع الصوت والانفعال.
في حديثه عن العمل، يوضح ياخور أن عنوان "سعادة المجنون" لا يعني فرح المجنون، بل يأتي على سبيل التفخيم، كما نقول "سعادة الوزير" أو "سعادة السفير". إنه لقب يحمل مفارقة دلالية، تعكس طبيعة العمل الذي يتحرك في منطقة رمادية بين العقل والجنون، بين الحقيقة والصورة القانونية المصنوعة.
ويرى أن قوة المسلسل لا تكمن في تناوله مسألة الفساد القضائي فحسب، وإن كانت حاضرة بوضوح، بل في كونه يغوص في بنية العائلة ذاتها: "العمل يتحدث عن قصة عائلة وصراع، عن كيف يحمي الأخ أخاه، وكيف يمكن أن تتحول التناقضات داخل العائلة إلى عناصر هدم. العلاقة بين أشرف وأوس ليست علاقة دفاع قانوني فحسب، بل شبكة معقّدة من المسؤولية والذنب والوفاء والخوف".
ويؤكد ياخور أن السؤال حول ما إذا كانت القصة حقيقية أم لا، ليس هو الأساس. "الأعمال التي تتناول هذا النوع من المواضيع نجد لها دائماً ما يشبهها في الواقع. ليس ضرورياً أن تكون حدثت حرفياً كما هي، المهم أن تكون محبوكة بإتقان، مشوّقة، وتحمل واقعية بعيدة عن المبالغات غير المنطقية".
العمل، الذي يجمع نخبة من الأسماء البارزة، يعيد الاعتبار الى فكرة البطولة الجماعية، وهو ما ينسجم مع قناعة ياخور: "لا يجب أن يبحث الممثل عن عمل يكون له وحده. يمكن أن يكون جزءاً من تركيبة أجمل، يكون البطل فيها هو الورق نفسه". ويبدو أن هذا التوجّه انعكس بوضوح في الكيمياء التمثيلية بينه وبين عابد فهد، بحيث تتجلى المواجهات بين الشخصيتين بوصفها ذروة درامية قائمة على صراع داخلي أكثر منه صداماً خارجياً.
في أدائه، لا يكتفي ياخور بإظهار صلابة القاضي أو دهاء المحامي، بل يكشف هشاشة الإنسان الذي يدرك أن كل حكم يصدره يحمل في داخله حكماً مؤجلاً على ذاته. هذه الازدواجية، بين موقع السلطة وتاريخ المناورة القانونية، منحت الشخصية عمقاً استثنائياً، وجعلت حضورها أحد أبرز أسباب النجاح الذي يحققه المسلسل حالياً، بالاتكاء أيضاً على سر شكل العلاقة مع أخيه.
ومع استمرار عرض "سعادة المجنون"، تتعاظم الأسئلة حول مصير أشرف صبري: هل يستطيع القاضي أن يتحرر من ظل المحامي؟ وهل يمكن العدالة أن تكون نزيهة تماماً حين تختلط بالدم والعائلة؟ أسئلة مفتوحة، يتركها باسم ياخور تتفاعل على الشاشة بأداءٍ رصين، يؤكد مرةً جديدة مكانته كأحد أكثر الممثلين السوريين قدرةً على الإمساك بالشخصيات المركّبة ومنحها حياةً تتجاوز حدود النص.
.jpg)
أما عن المسرح، فيعود الحديث إلى دوره في شخصية "الحارث بن عباد" في مسرحية "الزير سالم"، وما تفرضه من مقارنات حتمية مع الراحل خالد تاجا. هنا يتخذ ياخور موقفاً حاسماً: "لا يمكن أن نقول إن شخصية ما قُدّمت ولن تتكرر. هذا غير منطقي في الفن. يمكن أن تتكرر بنجاح مماثل أو أكبر أو مختلف. هذه سنّة الحياة. يستحضر مثال شخصية سبارتاكوس بعد كيرك دوغلاس، أو شخصية حمزة بعد أن قدّمها أنتوني كوين، ليؤكد أن الفن لا يُختَم عند تجربة واحدة.
ويشير إلى الفارق الجوهري بين أدوات التمثيل المسرحي والتلفزيوني، من حيث الصوت والحالة التعبيرية والإشارات العريضة. لذلك، فإن مقاربته لشخصية الزير سالم لم تكن نسخاً أو استعادة، بل قراءة من زاوية مختلفة، حتى وإن كان الحوار قريباً مما قُدّم سابقاً: "أؤدي رؤيتي أنا، كما أراها، لا كما أُريد لها أن تكون نسخة عن أحد".
نبض