الحلقة الأولى من "الخروج إلى البئر": سجن صيدنايا عنوان التحوّل… والبيت ساحة صراع آخر
استهلّ مسلسل "الخروج إلى البئر" حلقته الأولى بمشهد حلمي كثيف الدلالة، يختصر وجع الغياب ويؤسس منذ اللحظة الأولى لمسار درامي مشبع بالألم والأسئلة.
في غابة موحشة، يلتقي فراس والده سلطان بعد خمس سنوات من الغياب القسري، في صورة بصرية شاعرية تعكس توق الأبناء وارتباك الذاكرة. سلطان، الذي يجسّد شخصيته جمال سليمان، يحضر كطيفٍ بين الحياة والموت، في مشهد يختلط فيه الحنين بالخذلان.
اللغة البصرية التي صاغها المخرج محمد لطفي منحت المشهد بعداً سينمائياً واضحاً؛ تكوينات مدروسة، إضاءة قاتمة تعكس الداخل النفسي للشخصيات، وانتقالات ذكية بين الحلم والواقع، تُوِّجت بانفجار إطار سيارة فراس كصفعة توقظه إلى يومياته القاسية كعتّال يسعى لإعالة أسرته بعد فقدان المعيل.
النص الذي كتبه سامر رضوان بدا جريئاً في مقاربته، لا يوارب في طرح أسئلة العدالة والسلطة والخذلان، ويغوص في هشاشة العائلة حين تُترك لمصيرها. ففهد، الذي يؤديه خالد شباط، أصبح أباً خلال غياب والده، بينما تحضر نانسي التي تجسدها نانسي خوري، وسمية التي تؤديها كارمن لبس، بصمتٍ مثقل بالانكسار. تعيش سمية حالة إنكار لوفاة زوجها، وتعمل في صالون حلاقة، قبل أن تعود لمواجهة خلاف مالي قديم مع فاضل، الذي يجسّده علي كريم، في صراع يكشف هشاشة العلاقات حين تختبرها الأزمات.
داخل المنزل، تتصاعد المواجهات؛ فهد يصطدم بحبيبة أخيه بسبب مواقفه المتشددة، وسمية تفاجئ أبناءها بإعلان رغبتها في الزواج، في لحظة درامية تضع الذاكرة في مواجهة الحاجة إلى الاستمرار.
أما في السجن، فتتكشف الصورة الأشد قسوة. سلطان حيّ، لكنه يتعرض لتعذيب عنيف على يد ضابط يؤدي دوره طارق مرعشلي، في مشاهد مصوّرة بجرأة عالية تعكس بطش السلطة داخل سجن صيدنايا. هنا، تتبدّل موازين القوة تدريجاً، ويتحوّل السجّان إلى موقع مساءلة، فيما تتصاعد الفوضى مع اندلاع اشتباكات بين السجناء والضباط.
في المشهد الختامي، تجتمع مجموعة من السجناء يتقدّمهم نضال نجم وقاسم ملحو وشادي الصفدي وحسين عباس، لبحث المرحلة المقبلة. يُطرح اسم "أبو فراس" ليتحدث باسمهم، في إيحاء بأن القيادة ستُفرض على سلطان رغم صمته الطويل.
العمل، بإنتاج عالي المستوى من شركة "ميتافورا للإنتاج الفني" بتنفيذ أسامة شهاب الحمد، يشي بعناية واضحة في التفاصيل التقنية والفنية، من الصورة إلى الموسيقى والإيقاع العام. غير أن الرهان الأكبر يبقى على الأداء التمثيلي، الذي جاء متماسكاً من جميع الممثلين، مع حضور لافت لجمال سليمان في شخصية سلطان؛ أداء داخلي عميق، قائم على النظرة والصمت بقدر ما هو قائم على الكلمة، ما يمنح الشخصية ثقلاً إنسانياً وأخلاقياً واضحاً.
بهذه العناصر مجتمعة، ترسم الحلقة الأولى ملامح دراما إنسانية سياسية تتقاطع فيها معاناة العائلة في الخارج مع صراع البقاء داخل السجن، وتنتهي عند سؤال مفصلي: هل سيقبل سلطان دور القيادة داخل المعتقل؟ وهل تصمد عائلته في الخارج أمام الانقسامات والضغوط، أم أن "الخروج إلى البئر" سيكون بداية امتحان جديد للجميع؟
.jpeg)
نبض