دراما رمضان 2026 على صفيح التنوّع
رمضان 2026 لا يبدو موسماً عادياً في خريطة الدراما العربية، بل محطّة تعكس تحوّلات واضحة في المزاج العام وفي طبيعة الطرح. المنافسة هذا العام لا تقوم فقط على أسماء النجوم، بل على قدرة كل صناعة درامية على إعادة تعريف نفسها أمام جمهور بات أكثر وعياً وانتقائية.
في سوريا، تبدو اللحظة مختلفة. إلى جانب "سعادة المجنون" و"مطبخ المدينة"، يبرز أيضاً "مولانا"، "الخروج إلى البئر"، "بخمس أرواح" وغيرها الكثير كأعمال تسعى إلى الغوص في التحوّلات الاجتماعية والفكرية التي شهدها المجتمع السوري في السنوات الأخيرة. هذه المسلسلات تميل إلى العمل على البعد الإنساني والنفسي، وعلى شخصيات مأزومة تعكس واقعاً معقّداً لا يحتمل المعالجة السطحية. هناك محاولة واضحة للعودة إلى النصوص الثقيلة والحوارات العميقة، وإلى الدراما التي تطرح أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة، في استعادة لجوهر لطالما ميّز الصناعة السورية عربياً.

ولا يمكن إغفال الدراما الخليجية، التي لم تعد تُشاهد من الجمهور الخليجي فحسب، بل دخلت إلى كل بيت عربي. مسلسل "شارع الأعشى" بجزئه الثاني يمثّل هذا الامتداد، مستفيداً من جرأة في طرح قضايا اجتماعية تمسّ الأسرة والهوية والتحوّلات القيمية في مجتمعات الخليج. هذا الانتشار لا يرتبط فقط بتطوّر الإنتاج، بل أيضاً بتبسيط اللغة الدرامية وجعلها أكثر قرباً من المتلقي العربي، ما ساهم في كسر الحواجز اللهجية ووسّع قاعدة المشاهدة خارج الإطار المحلي.

أما الحضور اللبناني، فلا يمكن قياسه بعدد الأعمال فقط. مسلسلات مثل "بالحرام" و"المحافظة 15" تطرح قضايا حساسة تمسّ الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وتذهب إلى مناطق شائكة ترتبط بالهوية والانتماء والعدالة الاجتماعية. في الوقت نفسه، يستمر انصهار كبار النجوم اللبنانيين ضمن الدراما العربية المشتركة، حيث لم يعد الممثل اللبناني عنصراً مكمّلاً، بل شريكاً أساسياً في البطولة وصناعة الحدث، ما يعزّز موقع لبنان كلاعب نوعي ومؤثر في المشهد العربي.

في المقابل، تواصل الدراما المصرية قراءة ذوق الجمهور بذكاء لافت. فهي تدرك أن البطل الشعبي لا يزال حاضراً ومنتظراً ومحبوباً، لذلك تحافظ على هذا النموذج وتعيد إنتاجه بصيغ متجددة، سواء في إطار اجتماعي أو تشويقي "علي كلاي"، "الكينج"، "إفراج"، "الست موناليزا"... وإلى جانب ذلك، توازن بين الطرح الجماهيري والأعمال التي تناقش تحوّلات الطبقة الوسطى وصراعاتها، ما يمنح الموسم المصري قدرة على الجمع بين الانتشار الواسع والبعد الاجتماعي.

في المحصلة، يبدو رمضان 2026 موسماً لإعادة توزيع الأدوار بين العواصم الدرامية العربية. سوريا تبحث عن عمقها، الخليج يوسّع انتشاره العربي بثقة، لبنان يرسّخ حضوره النوعي، ومصر تواصل الإمساك بخيط الجمهور. يبقى الرهان الحقيقي على صدق الحكاية وقدرتها على البقاء في ذاكرة المشاهد بعد انتهاء السباق الرمضاني.
نبض