"سكّة حديد الحجاز" تحيي مذكّرات جميل توتونجي... التاريخ يلتقي بالحاضر على مسرح لندن
في عملٍ فنّي موسيقي يستعيد الذاكرة الإنسانية بلغة معاصرة، تقدّم الفنانة تالا توتونجي مشروعها المسرحي الموسيقي "سكة حديد الحجاز" (The Hijaz Railway)، المستوحى من مذكّرات جدّها الدكتور جميل توتونجي، في عرض يُقام للمرة الأولى في العاصمة البريطانية لندن.
العمل، الذي يحتضنه Leighton House Museum يوم الإثنين 9 شباط/فبراير، هو رحلة سمعية وبصرية تبدأ من إسطنبول، مروراً ببلاد الشام ولبنان والأردن وفلسطين وسوريا وتركيا، وصولاً إلى المدينة المنوّرة. رحلة لا تعبّر الجغرافيا فقط، بل تعيد وصل التاريخ بالذاكرة، والشرق بالغرب، والتقاليد بالحداثة.

تالا توتونجي ابتكرت الفكرة وطوّرتها، بينما كتب النص المسرحي الفنان والممثل نديم نعمان. وتقول توتونجي في حديثها إلى "النهار" إن الدافع الأساسي للعمل جاء من علاقتها الشخصية بالمذكّرات العائلية، وصور الأقارب، والقصص التي سمعتها منذ طفولتها، وصولاً إلى حلم رأت فيه جدّها يطلب منها إضاءة شمعة في إزمير. وتضيف: "شعرت أن عليّ أن أنقل هذا الشعور الداخلي، وأن أجسّد تلك الذاكرة في عمل فني".
وترى توتونجي أنّ القطار في هذا العمل يتجاوز كونه وسيلة نقل، ليصبح رمزاً يوحّد الناس على اختلاف أديانهم وبيئاتهم، مؤكدة أنّ المشروع لا يحمل توجهاً سياسياً، بل يروي سيرة إنسانية عن التواصل بين الشعوب، وعن أهمية إحياء قصص الأجداد وعدم تركها تُنسى.

الرحلة الفنية تتوقّف عند محطات تاريخية أساسية: إزمير عام 1896، حلب في مطلع القرن العشرين، بيروت عام 1910، القدس في خمسينيات القرن الماضي، ثم المدينة المنوّرة. وقد استغرق العمل نحو عامين من التحضير، جمعت خلالهما توتونجي الوثائق والمراجع والأغاني المرتبطة بكل مدينة، وكتبت القصة "من القلب مع دقّة في التفاصيل"، بحسب تعبيرها.
المخرجة سمر دودين تولّت إعداد الهيكل الدرامي، فيما أعدّت الفنانة الأردنية الشركسية زينة سعيد المشاهد البصرية، بينما أضفى نديم نعمان بُعداً إضافياً على النص، مستنداً إلى ارتباطه الشخصي بتاريخ السكك الحديدية، إذ كان جدّه مسؤولاً عن قطاع المواصلات في لبنان آنذاك. ويقول نعمان إن التحدّي الأكبر كان خلق سرد متماسك يربط الموسيقى والمسرح والأرشيف التاريخي، بحيث يتمكّن الجمهور من التواصل مع قصة جميل توتونجي ورؤية نفسه فيها.
ويشارك في العرض المسرحي كلّ من فرحات بولات، باسم الخوري، فراز إشغي سهرائي، وأنطونيو روميرو، ضمن عمل يمزج الأداء الحي بالموسيقى والصورة.

أما موسيقياً، فقد جرى العمل على توزيع أغنيات وقطع تعود إلى حقب ومناطق مختلفة، مع الحفاظ على روحها الأصلية ضمن معالجة معاصرة تخدم السرد. ويشير نعمان إلى أن رمزيات الرحلة تعود إلى حلم السلطان عبد الحميد الثاني ببناء سكة حديد تصل إسطنبول بالمدينة المنوّرة مروراً ببلاد الشام، حلم لم يكتمل تاريخياً، لكن العمل الفني يستعيده "كما لو أنّ السكة اكتملت فعلاً".
ويبرز في العمل أيضاً حضور المرأة، من خلال شخصيات مثل شادية (والدة جميل)، ورويدة (زوجته)، ووالدة تالا، مها توتونجي، في تأكيد على دور المرأة في التعليم والمجتمع، وهو ما تعتبره توتونجي جزءاً أساسياً من إرث عائلتها.
اختيار لندن لم يكن عشوائياً، فهي المدينة التي "تجمع الشرق والغرب"، كما تقول توتونجي، والتي ترى أن ما يبدأ فيها فنياً غالباً ما يجد صداه عالمياً. ويجري حالياً العمل على تطوير فيلم وثائقي مستوحى من العرض، بالتعاون مع المنتج وديع صفي الدين.
بهذا العمل، تتحوّل الموسيقى إلى لغة تُحيي الماضي في الحاضر، وتضع الجمهور أمام تجربة إنسانية تتجاوز الزمن، لتؤكد أن
نبض