بينالي الدرعية للفنّ المعاصر 2026... المدير الفنّي صبيح أحمد لـ"النهار": كوريغرافيا للحياة "في الحِلّ والترحال"
"في الحِلّ والترحال" ليس عنواناً عابراً اختاره بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026 ليكون ثيمة لأعمال أكثر من 65 فناناً من 37 دولة، بل إطار مفاهيمي يستحضر التنقّلات والهجرات والتحوّلات التي شكّلت عبر العصور، جسوراً بين جزيرة العرب ومحيطها والعالم. تقاطعاتٌ تجلّت في الذاكرة الجماعية والتاريخ، وفي المفردات والأغاني والقصص والإيقاعات، ليقدّم كل فنان قراءته الخاصة لهذا المفهوم، حيث يتجلّى "الحِلّ والترحال" بصيغ وتعبيرات متعدّدة.
جالت "النهار" بين أروقة معارض البينالي واستوديوهات حي جاكس الإبداعي في الدرعية، لتغوص في تجربة هذا الصرح الفني والثقافي الكبير، وتستكشف الأعمال الفنية عن قرب، إلى جانب إجرائها حوارات معمّقة مع القيّمين الفنيين، والفنانين المشاركين، وأصحاب الاستوديوهات الذين جعلوا من هذا المعرض مساحة للإبداع.
في حديثٍ خاص لـ"النهار"، أوضح المدير الفني لبينالي الدرعية للفن المعاصر 2026، صبيح أحمد، وهو منظّر ثقافي وأكاديمي يشغل حالياً منصب مستشار المشاريع بجمعية "إشارة" للفنون في دبي، أنّ عنوان الدورة الثالثة "في الحِلّ والترحال" يشير إلى "رحلات الترحال ودورات الإقامة والتنقّل التي شكّلت جزءاً أساسياً من حياة العديد من المجتمعات البدوية في المنطقة".
أما العنوان باللغة الإنكليزية " In Interludes and Transitions"، فأكّد المدير الفني أنّه "ليس ترجمة حرفية لعبارة في الحِلّ والترحال، بل إحالة إلى دورات الترحال والتنقّل التي ترسم ملامح الحياة اليوم، والتي لم تقتصر على حاضرنا فحسب، بل أسهمت في تشكيل حياة البشر حول العالم على مدى قرون طويلة".
وأضاف: "المقصود هنا التفكير في العالم لا من خلال خريطة جغرافية، بل عبر كوريغرافيا من الحركات المتعدّدة: حركة البضائع، وحركة الناس، وحركة القصص، وحركة أنظمة المعتقدات، وهي حركات التقت تاريخياً عند مفترقات الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وغالباً عبر منطقة الخليج".

وأشار إلى أنّ العمل القيّمي للبينالي انطلق من استكشاف زوايا نظر متعدّدة، مع التركيز على كيفية ظهور العالم من هنا، لا على كيفية ظهور هذا المكان للعالم.
بينالي الدرعية 2026: قراءة العالم من الرياض
من جهته، أكّد المعماري المشارك ومصمّم المعرض سامي زرقا أنّ "هذا البينالي لا ينظر إلى الرياض من منظور عالمي بقدر ما يسعى إلى قراءة العالم من منظور الرياض اليوم، من خلال تنوّع الأعمال المطروحة واختلاف أساليبها ومقارباتها".
وفي هذا السياق، توقّف عند العمل الافتتاحي في الصالة الأولى للفنان بيترت هاليلاي من كوسوفو، الذي يستعيد عبره تجربته مع النزوح حين كان في الرابعة عشرة من عمره. عملٌ يخلق فضاءً يوحي بالسير داخل غابة تبدو في بدايتها هادئة وجميلة، قبل أن تنكشف تدريجاً على المشاهد القاسية المرتبطة بتجربة النزوح كما عاشها الفنان.

ورأى زرقا أنّ هذه الدورة من بينالي الدرعية للفن المعاصر "تتيح فرصة حقيقية لطرح وجهات نظر تنطلق من داخل المنطقة العربية، في لحظة تتجه فيها الأنظار إلى السعودية، وإلى الرياض تحديداً، لمعرفة ما لدينا لنقوله وما نسعى إلى تقديمه".
الفنانون والحوارات حول التحوّلات المعاصرة
بدورها، قالت مي مكي، المنسّقة القيّمية المشاركة في الدورة الثالثة من البينالي، في حديثها لـ"النهار": "فكّرنا في العالم بوصفه سلسلة من المواكب والحركات والتدفّقات، سواء التاريخية منها، مثل الحجّ وشبكات التجارة، أو المعاصرة التي تتكشّف في الوقت الراهن".
وأضافت: "الفنانون، سواء عبر التاريخ أو في ممارساتهم المعاصرة، يمتلكون حساسية استثنائية في ملاحظة العالم من حولنا، وآمل أن يتيح جمع فنانين يعملون في المنطقة وآخرين من خارجها، ممّن يتأمّلون هذه التحوّلات الجارية، للمشاهد فرصة للتفكير بعمق في العالم الذي نعيش فيه".
وانطلقت فعاليات الدورة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خلال الفترة الممتدة من 30 كانون الثاني/يناير إلى 2 أيار/مايو 2026، مسلّطة الضوء على البعد الموسيقي بوصفه مدخلاً لفهم دور التراث الشفوي والسمعي في نقل التاريخ الاجتماعي في المنطقة العربية وخارجها. وتجلّى ذلك من خلال عمل أدائي للفنان السعودي محمد الحمدان (حمدان)، وعرض موسيقي لفرقة "ثلاثي عبدالله منياوي"، إلى جانب عبور قافلة من السيارات والجمال وادي حنيفة وحي جاكس.

معاذ العوفي: أعتقد أنني كلّي ترحال
أعمال الفنان والمصوّر الفوتوغرافي السعودي معاذ العوفي، صاحب استوديو فنّي في حي جاكس، تتماهى بشكل واضح مع مفهوم "الحِلّ والترحال"، إذ يُعدّ العوفي مستكشفاً للمملكة العربية السعودية ومناطق أخرى حول العالم، يستخلص منها معثورات ومواد فنية يعيد تقديمها في معرضه عبر وسائط متعددة.
وفي هذا السياق، قال العوفي لـ "النهار": "أعتقد أنني كلّي ترحال. فكل أعمالي، لكي تصل إلى الحِلّ، تتطلب الترحال فعلياً، حيث أخرج لاستكشاف وجمع المواد التي ستُستخدم في الاستوديو، ومن هناك أطوّرها لاحقاً إلى أعمال مختلفة، سواء كانت فيديو، فوتوغرافيا، أو وسائط فنية متنوعة".
بدور السديري: الترحال هو رحلة لاكتشاف المعرفة
ومن بين الاستوديوهات المشاركة في البينالي، يبرز استوديو "مسند"، الذي يشارك عبر معرضين لتقديم أعمال متنوعة تجمع بين فنانين محليين ودوليين، مع تركيز واضح على التجربة الفنية والعمل الفني بذاته.
وفي حديث خاص لـ "النهار"، أكدت مؤسِّسة الاستوديو، بدور السديري، أن "المعرضين يتقاطعان مع مفهوم الحِلّ والترحال من خلال المحتوى والأعمال المعروضة للفنانين. فالترحال هنا ليس مجرد حركة، بل رحلة لاكتشاف المعرفة والمهارات وإعادة صياغتها في أعمال فنية، لتتحوّل إلى أيقونات يشارك فيها الفنانون معاً في حلّهم وترحالهم".
نبض