جهاد سعد لـ"النهار": الفن بحاجة إلى لغة جديدة
لا يمكن وصف جهاد سعد، الممثل الفنان، بأقل من نبي للمسرح في المشرق العربي، إذ قدّم على خشبته من تأليفه وإخراجه وتمثيله، ومن رؤيته للأدب العالمي، رؤية متكاملة في الكم والنوع، ما لم يستطعه أحد في هذا الجزء المتأزم من العالم. يُشبه في ذاكرته شارع الحمرا البيروتي (أو ما كان عليه)، وفي وقاره دروس المعهد العالي للفنون المسرحية في مصر أيام الروّاد، وفي تحديه الزمن في مسرح القباني الدمشقي.
تجمع رؤية سعد بين احترام التقاليد المسرحية والتزام التجديد، وبين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية. المسرح والدراما، وفق ما يؤكد في مقابلة لـ"النهار"، ليسا فقط أدوات ترفيهية، بل وسائل للتأمل والفهم والتغيير، تتطلب مسؤولية المبدعين ووعي الجمهور على حد سواء، مع تشديده على أهمية التجديد في النصوص واللغة الفنية بما يتناسب مع الواقع المعاصر والجمهور الجديد.
يقول: "المسرح أعطاني القدرة على التعبير عن ذاتي وأفكاري بشكل متكامل، سواء من خلال النصوص أو التمثيل أو الإخراج. لغة المسرح هي وسيلة للتواصل مع المتلقي، وليست مجرد حركات جسدية على الخشبة. الحرية في المسرح تعني القدرة على السباحة عكس التيار، وتحقيق الأفكار بشكل مستقل، بعيداً عن التقليد أو الإملاء".
ويشير إلى أن الأعمال المسرحية خاصته، من "كاليغولا" إلى "جيسون وميديا" و"هجرة أنتيغون"... تحمل دائماً رسالة واضحة، منوهاً بأن مسؤولية الفنان فردية قبل أي اعتبار آخر: "المسرح مسؤولية ورسالة، وليس مجرد ترفيه. الممثل يتعامل مع نصوص تحمل روح العصر والواقع، ويجب أن يكون هذا واضحاً لكل من يخوض التجربة المسرحية".
تجربة سعد التعليمية شكلت قاعدة صلبة لمسيرته، درس في مصر مع كبار المسرحيين مثل محمد جمعة وجلال الشرقاوي، وعمل في المسرح القومي المصري مع عمالقة المسرح مثل حمدي غيث. يستذكر هذه المحطة بحماس: "المعهد مرحلة أساسية، لكن التعلم الحقيقي يستمر في الشارع، وفي التواصل مع الطلاب والممثلين. المسرح هو مدرسة مستمرة، والتجربة العملية توازي الدراسة الأكاديمية".
ويضيف: "تدريبي للأجيال الجديدة جزء من مسؤولياتي، لكن نجاح الطلاب مسؤوليتهم أيضاً. المسرح يجب أن يكون مساحة حرة للإبداع، لا مكاناً للضغط أو التقليد".
.jpg)
وفي دائرة أوسع، يلفت سعد إلى أن الفن السوري يحتاج إلى لغة جديدة تتماشى مع التحولات الاجتماعية والسياسية: "اللغة القديمة سقطت بعد الحروب والتحولات العالمية. علينا أن نُبدع لغة جديدة للعالم وللجيل الجديد، ننفض الغبار ونتجاوز العقليات التقليدية".
ويتابع مع رفضه إطلاق مصطلح الدراما التلفزيونية" على المسلسلات: "حتى النصوص التلفزيونية القديمة، مثل مسلسلات البيئة الشامية، لم تعد تعكس الواقع الاجتماعي الحالي، ولا تتناول قضايا أساسية مثل الهجرة أو حياة اللاجئين أو المقهورين. الأعمال التقليدية لم تعد مجدية، سواء للممثلين أو المخرجين أو المتلقين. ما جرى ويجري حالياً في الواقع، أهم ألف مرة من أي نص مكتوب مسبقاً. موت طفل في الحرب له قيمة إنسانية أكبر من أي قصة تقليدية عن البطل القومي أو المسدس والخنجر".
ويتحدث سعد عن أهمية تحمل الدراما السورية مسؤوليتها تجاه المجتمع: "الدراما السورية يجب أن تتناول قضايا معاصرة بصدق، وليس العودة المستمرة إلى البطولات التقليدية أو القصص الجافة. ويشير إلى تجارب عالمية بعد الحروب، مثل المسرح الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث نتجت لغة فنية جديدة في المسرح والسينما، قبل أن يدلّل بتجربة زياد الرحباني في لبنان.
ويوضح: "السخرية الفنية التي قدمها، والعفوية، والفطرة، ولغة الشارع، كانت جميعها جزءاً من مشروعه، فن ساخر يكشف الحقائق السياسية والاجتماعية، ويعرّيها بذكاء. زياد كان ساخراً وناقداً، لا بمعنى النقد الإلغائي، بل بوصفه موقفاً وجودياً من العالم. شارك الناس همومهم وأسئلتهم، وسعى إلى السباحة عكس التيار، وإلى تقديم شيء جديد ومختلف، حتى لا يُقال أو يكون مجرد ابن فلان أو امتداد لفلان".
ويضيف: "كم كنت أتمنى لو أن الناس اهتموا بزياد الرحباني أكثر بكثير قبل رحيله، لا أن يقتصر هذا الاهتمام على ما نشهده اليوم. ما لفتني حقاً هو السؤال: لماذا لم تبكِ السيدة فيروز؟ ولماذا بكى الآخرون؟ زياد باقٍ، ولم يمت. موت الجسد لا يعني موت الفكرة".
وبانتظار تحقق التجديد، يرفض سعد حالة منتشرة حالياً من التقليد الأعمى في الكتابة والإخراج: "الأعمال الناجحة كثيراً ما تُقلّد، لكن النُسخ لا تقدم شيئاً حقيقياً. على الكُتّاب والمخرجين أن يبدعوا بلغتهم الخاصة، بعيداً من تقليد الآخرين".
ويشير إلى أن التجديد ليس مسؤولية الفنان وحده، بل مسؤولية المجتمع كله: "الفن يحتاج إلى وعي جديد. المتلقي يجب أن يتغير أيضًا، لأن العمل الفني لا يصلح إذا ظل عقل الجمهور تقليديًا. الأجيال الجديدة يجب أن تُفتح أمام التجارب الجديدة وتفكر بطرق مختلفة".
ويختم سعد حديثه بنداءٍ جاد: "علينا إعادة الفن السوري إلى مكانته، وإعطائه حرية التعبير والابتكار التي يستحقها".
.jpg)
نبض