زياد الرحباني كما عرفه فائق حميصي: قال كل شيء في "بالنّسبة لبكرا شو"
لم يكن الممثل والمخرج المسرحي فائق حميصي مجرّد ممثل وقف إلى جانب زياد الرحباني في عمله المسرحي الأيقوني "بالنسبة لبكرا شو"، بل كان إحدى ركائز ذلك النص الحيّ الذي ما زال يردّده اللبنانيون إلى اليوم، تماماً كما لو كُتب بالأمس.
في رحيل زياد، يعود حميصي إلى تلك الذاكرة التي ما زالت تسكنه، كأنها لم تغادر الخشبة يوماً، ويكشف في حديثه لـ"النهار" عن علاقة شخصية وإنسانية عميقة.

يقول: "نشعر بالحسرة وحتماً الألم موجود في الداخل. لكنني شخصياً أؤمن بأن الناس، وخصوصاً الفنانين، يأتون إلى هذه الدنيا، يؤدّون أغنيتهم، ويرحلون. هذه ليست بأيديهم، بل بأيدي الزمن. زياد غنّى أغنيته، وغنّى لنا نحن أيضاً، وأدخلنا عالماً جديداً، فريداً، وخاصّاً به. عالمه مدهش، لم يستطع أحد أن يشبهه. هو ابن فيروز وعاصي، ولم يفعل ذلك تميّزاً، بل لأنّها كانت رسالته الداخلية، أن يكون متميّزاً".
ويتحدّث عن ابتكار زياد الموسيقي: "الذين يفهمون في الموسيقى يدركون كيف كان زياد يبتكر. حين يبدأ الآخرون العدّ الموسيقي: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة... كان هو يدخل من 'اثنان'! كان يُربك الأذن الموسيقية المتعوّدة على النمط، ليخلق شعوراً جديداً. يُغنّي بصوت طبيعي، بسيط، وكان يحبّ أن يُلحّن لجوزيف صقر، لأن صوته طبيعي، لا يصعد كثيراً ولا ينخفض كثيراً، يواكب النغمة بعفوية. هذا ما يجعل مدرسته مختلفة".

عن "بالنسبة لبكرا شو"، المسرحية التي أدّى فيها حميصي دور الشاعر "أسامة"، يقول: "اليوم، كثير من اللبنانيين، وحتى غير اللبنانيين، يعتبرون المسرحية مدرسة قائمة بذاتها".
ويستعيد ذكرى حوار بينه وبين زياد بعد انتهاء العرض: "سألت زياد: ما الذي ستفعله الآن؟ فأجاب: قلتُ كل شيء في المسرحية".
ويتابع، مستذكراً بدايات زياد المسرحية: "قدّم "سهرية" و"نزل السرور" وكان لا يزال يُجرّب، إلى أن وصل إلى مسرحية "بالنسبة لبكرا شو". كتبها في زمن الحرب، وكان الجمهور يقطع الحواجز من أجل حضورها. دخلت المسرحية قلب الحياة الاجتماعية في ذلك الزمن".

ويكشف جانباً إنسانياً من علاقته بالعائلة الرحبانية: بعد عرض المسرحية، دخل علينا عاصي وفيروز، وتوجّه عاصي إلى زياد قائلاً: بدي آخدو منك (يقصدني)، لا تكتب له دوراً جديداً، خليه معي. وهو ما حصل، إذ عملت مع السيدة فيروز ورونزا وملحم بركات في مسرحية "الربيع السابع".
ويتابع: "عشتُ في منزل العائلة خلال عملي معهم على المسرحية. كنتُ أنام في غرفة زياد عندما كان يبيت في المنزل العائلي الثاني في بيروت. صار زياد صديقي، وصرتُ صديق العائلة، وكنتُ أعرّج على زياد في منزله في بيروت خلال الحرب".
عن سؤال "بالنسبة لبكرا شو؟"، يقول حميصي إنّه لا يزال معلّقاً: "في المسرحية، كان السؤال مفتوحاً، ولا تزال إجابته معلّقة حتى اليوم، لأنّه سؤال عن واقع مأزوم، عن مستقبل ضائع. زياد وضع إصبعه على الجرح: الكرامة ضاعت، القيم ضاعت، كل شيء صار يُباع ويُشترى".
ويختم حميصي شهادته قائلاً: "التقيتُ بزياد منذ فترة، ربّت على ظهري. لم يكن ناوياً أن يتوقف عن العمل. هذا الكلام منذ نحو سنتين. جلسنا في زاوية في المسرح، وكان يتحدّث عن مشاريع موسيقية. لم يكن الإحباط ممّا يعمل عليه، بل الإحباط من النفس البشرية... من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق. لم يَعُد هناك قيمة للبشر ولا للأحلام".

نبض