زلازل قوية تضرب العالم تباعاً... هل دخلت الأرض مرحلة نشاط غير معتاد؟
زلازل قوية تضرب مناطق مختلفة من العالم وتخلّف دماراً واسعاً... هل دخلت الأرض مرحلة نشاط زلزالي غير معتاد، أم أن ما يحدث لا يزال ضمن المعدلات الطبيعية؟
أثارت سلسلة الزلازل القوية التي ضربت مناطق مختلفة من العالم خلال الأشهر الأخيرة مخاوف من أن تكون الأرض قد دخلت مرحلة من النشاط الزلزالي الاستثنائي، خصوصاً بعدما تسببت بعض الهزات في خسائر بشرية ودمار واسع. لكن علماء الجيولوجيا يؤكدون أن الأرقام لا تشير حتى الآن إلى زيادة غير طبيعية في عدد الزلازل الكبرى، وأن تتابعها زمنياً لا يعني بالضرورة وجود رابط بينها.
وخلال 2026، شهد العالم عدداً من الزلازل التي تجاوزت قوتها 7 درجات، بينها زلزال بقوة 7.8 درجات قبالة جزيرة مينداناو في الفيليبين، وزلزال بقوة 7.4 درجات في كولومبيا، فضلاً عن زلزالين قويين ضربا فنزويلا بفارق ثوانٍ، وهزات كبيرة قرب اليابان وتونغا.
هل زادت الزلازل فعلاً؟
رغم الانطباع الذي أحدثه تتابع الأخبار، تقول عالمة الجيولوجيا ويندي بوهون إن عام 2026 يقع حتى الآن ضمن المعدلات الطبيعية إحصائياً.
ويسجل العالم عادة نحو 15 إلى 18 زلزالاً تتراوح قوتها بين 7 و7.9 درجات سنوياً، فيما سُجلت حتى منتصف آب من العام الحالي 10 زلازل بهذه القوة، أي أن العدد لا يزال عند الطرف الأدنى من المعدل المتوقع لهذه الفترة من السنة.
ويؤكد أستاذ الجيوفيزياء في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس لينغسن منغ أنه "لا يوجد دليل مقنع على أن الزلازل أصبحت أكثر تكراراً عالمياً".
لماذا تبدو الزلازل أكثر من السابق؟
يكمن أحد الأسباب في أن عدداً من الزلازل الأخيرة وقع في مناطق مأهولة وأدى إلى خسائر بشرية كبيرة، ما جعلها تحظى بتغطية إعلامية مكثفة.
كما أن تطور شبكات الرصد وانتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي جعلا المعلومات المتعلقة بأي هزة أرضية تصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، حتى لو وقعت في منطقة بعيدة.
ويشير العلماء أيضاً إلى ما يعرف بـ"وهم التكرار"، إذ يميل الإنسان إلى ملاحظة ظاهرة بصورة أكبر بعد أن تستحوذ على اهتمامه، فضلاً عن "انحياز الحداثة" الذي يجعل الأحداث الأخيرة أكثر حضوراً في الذاكرة من البيانات الممتدة على سنوات.
والزلازل، في الواقع، تحدث باستمرار. ووفق أحد خبراء برنامج مخاطر الزلازل في هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، يشهد العالم زلزالاً بقوة 7 درجات تقريباً كل ثلاثة إلى أربعة أسابيع، لكن معظم هذه الزلازل يقع في المحيطات أو المناطق النائية ولا يسبب أضراراً كبيرة.
هل الزلازل الأخيرة مرتبطة ببعضها؟
يستبعد الخبراء وجود سلسلة عالمية مترابطة من الزلازل. فالزلازل التي تقع على مسافات بعيدة وفي بيئات تكتونية مختلفة تكون عادة أحداثاً مستقلة.

ويظهر ذلك بوضوح في زلزالي فنزويلا وكولومبيا الأخيرين. فرغم وقوعهما في أميركا الجنوبية، يرتبط النشاط الزلزالي في فنزويلا بصورة رئيسية بالحدود بين صفيحتي الكاريبي وأميركا الجنوبية، بينما تتأثر كولومبيا بانغراز صفيحة نازكا تحت صفيحة أميركا الجنوبية.
وأكد خبراء أن المسافة بين مركزي الزلزالين بلغت نحو 1200 كيلومتر، ولا توجد علاقة مباشرة في انتقال الإجهاد بينهما، وبالتالي ينبغي التعامل معهما بوصفهما زلزالين مستقلين. كما لا توجد أدلة على دخول صفيحة أميركا الجنوبية دورة زلزالية غير طبيعية.
لماذا يكون زلزال أقل قوة أكثر فتكاً؟
قوة الزلزال وحدها لا تحدد حجم الكارثة. فقد يتسبب زلزال متوسط القوة في عدد كبير من الضحايا، بينما تمر هزة أقوى منه بأضرار محدودة.

وتتحكم في النتائج عوامل عدة، بينها عمق مركز الزلزال، وطبيعة التربة، وكثافة السكان، وطريقة انتشار الموجات الزلزالية، والأهم جودة المباني ومدى تطبيق معايير البناء المقاوم للزلازل.
فعلى سبيل المثال، ضرب زلزال بقوة 7.5 درجات منطقة تونغا في آذار، لكنه وقع على عمق نحو 230 كيلومتراً، ما أضعف تأثير الاهتزازات عند وصولها إلى السطح، ولم تسجل وفيات أو أضرار كبيرة. في المقابل، يمكن لزلازل أقل قوة أن تكون قاتلة في مناطق تعاني ضعف الأبنية والاستجابة للكوارث.
هل يمكن توقع الزلزال الكبير المقبل؟
لا تزال التكنولوجيا عاجزة عن تحديد مكان وزمان وقوع الزلزال الكبير المقبل بصورة موثوقة. ولذلك يشدد العلماء على أن الوقاية أهم من التنبؤ.
ويشمل ذلك تشديد قوانين البناء، وتدعيم المباني القديمة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإعداد خطط للطوارئ وتدريب السكان على كيفية التصرف عند وقوع الهزات.

وبالتالي، فإن تتابع الزلازل القوية خلال 2026 قد يبدو مقلقاً، لكنه لا يشكل، وفق البيانات العلمية المتاحة حتى الآن، دليلاً على أن الأرض تشهد موجة زلزالية عالمية استثنائية. اللافت هذا العام ليس عدد الزلازل بقدر ما هو حجم الدمار الذي أحدثه بعضها وموقعه بالقرب من التجمعات السكانية.
نبض