من ألم الصدمة الى ملاذ آمن للرفق بالحيوان
آية القيسي
في أزقةٍ يختلط فيها صخب الحياة اليومية بضجيج المارين، ستصادف كائنات لا صوت لها ولا حيلة حيوانات سائبة تُترك لمصيرها بين إهمال الشوارع وأحيانًا قسوة المصدومين من أعباء الحياة.
غير أن في قلب هذه المدينة، تجد الإنسانية طريقها دوماً عبر مبادرات فردية تطبّب جراح أضعف الكائنات، وتقف بوجه القسوة بقلبٍ رحيم.
قصة الناشط العراقي ميثاق العبيدي الملهمة
من بين هذه القصص، تبرز تجربة الناشط العراقي ميثاق العبيدي، الذي لم يكتفِ بإظهار التعاطف مع الحيوانات المتروكة، بل حوّل مسار حياته بالكامل ليكون سداً منيعاً يقيها الأذى، وملاذاً دافئاً يرمم ما أفسده إهمال المجتمع.

كيف بدأت فكرة المحمية؟
بدأت فكرة المحمية لدى ميثاق قبل أكثر من 10 سنوات بعد تكرار مشاهد العنف أمامه من المجتمع تجاه الحيوانات ليساهم بعد ذلك بإنقاذ هذه الأرواح وتقديم الرعاية الصحية لها. في المقابل لا يوجد أي مشروع بيطري أو فندقي له القدرة على استقبال هذا النوع من الحيونات التي تعاني من وضع صحي وجسدي سيئ لفترات طويلة وتقديم الرعاية لها، ويتحدث ميثاق للـ "النهار" أن الحالات التي يرعاها تعاني غالبيتها من فقدان البصر بسبب عنف أو حادث سير عرضي يؤدي الى بتر أحد أجزاء جسدها. لذلك بدأ مشروع ميثاق يتوسع تباعاً من مساحة بسيطة الى محمية بمساحة كبيرة تضم أكثر من 200 قطة ومحمية أخرى خاصة بالكلاب.
العبيدي يدعو إلى فرض رقابة أقوى لحمايات الحيوانات
يعتبر العبيدي أن القسوة تجاه كائن لا يملك خيار الدفاع عن نفسه هي مؤشر خطير على غياب الضمير الإنساني، داعياً إلى فرض رقابة أقوى وتطبيق قوانين تحمي هذه الأرواح من الانتهاكات البشعة التي تُرتكب بحقها ومحاسبة أو معاقبة كل من يقوم بهذه الأفعال، خاصة رغم المادة 486 رقم 111 سنة 1969 من قانون العقوبات العراقي التي تنص على "معاقبة كل من يسيء معاملة الحيوانات أو يعذبها بالحبس لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تزيد على 30 ديناراً عراقياً "ما يعادل 45 دولارات، بينما يرىٰ ناشطون ومهتمون أن مبلغ الغرامة هذا لا يوازي بشاعة ما يحصل للحيوانات من تعنيف وأذى، مع تشديدهم على إعادة النظر بهذه المادة وفرض غرامة عالية، عسى أن تكون ذات منفعة وتساهم بالحد من هذه الظواهر.

يؤكد ميثاق لـ "النهار" أنّ حلول البلدية تجاه الحيوانات السائبة وتحديداً الكلاب دائماً تنتهي بالقتل العمد لهذه الحيوانات من خلال الرمي بالرصاص مثلاً او استخدام السُم، بينما كان بإمكانها أن توفر ملاجئ منظمة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني أو المتطوعين، إلى جانب إطلاق برامج توعية تستهدف الأجيال الناشئة لبناء مجتمع أكثر رحمة وتفهماً للتوازن البيئي.
إن تجربة العبيدي وغيرها من المحاولات الفردية، ورغم محدودية الموارد وغياب الدعم المؤسسي المنظم، تحمل دلالة رمزية وأخلاقية بالغة؛ فهي تؤكد أن الحفاظ على معايير الإنسانية في جوهرها يتطلب حماية أضعف الحلقات في المجتمع، وأن الرفق بتلك الكائنات المعاقة والمهمشة هو المعيار الحقيقي لوعي المجتمعات ورقيّها الحضاري.
نبض