عُثر على تميمة فضيّة عمرها 1,800 عام مدفونة في قبر في فرانكفورت بألمانيا، بجانب ذقن الرجل الذي كان يرتديها. وهي تحتوي على 18 سطراً من النص المكتوب باللاتينية على 1.37 بوصة فقط من رقائق الفضة. وقد يكون ذلك كافياً لإعادة كتابة التاريخ المعروف للمسيحية في الإمبراطورية الرومانية.
وبحسب ما ورد في مجلّة "بوبيلار ميكانكس" (Popular Mechanics) الأميركية، فكلّ صلة أخرى لدليل موثوق به على الحياة المسيحية في منطقة جبال الألب الشمالية للإمبراطورية الرومانية هي أحدث من التميمة بخمسين سنة على الأقلّ، وكلّها تعود إلى القرن الرابع الميلادي. ولكنّ التميمة، التي عُثر عليها في قبر، يعود تاريخها إلى ما بين عامي 230 و270 ميلادياً، وتُعرف الآن باسم "نقش فرانكفورت"، هدفها فك رموز النقش بشكل أفضل.
وقالت إينا هارتفيغ، رئيسة الثقافة والعلوم في فرانكفورت: "يؤثّر هذا الاكتشاف الاستثنائي على العديد من مجالات البحث، وسيبقي العلم نشطًا لفترة طويلة. ينطبق ذلك على علم الآثار، وكذلك على الدراسات الدينية وعلم اللغة والأنثروبولوجيا. لذا، فإن هذا الاكتشاف استثنائي حقاً".
عُثر على التميمة في موقع أثريّ خارج فرانكفورت في عام 2018 في ما كان يُعرف بمدينة نيدا الرومانية. وخلال أعمال التنقيب في المنطقة، كشفت الطواقم عن مقبرة رومانية كاملة. وكانت القطعة التي تم تحديدها باسم "القبر 134"، حيث كانت توجد تميمة فضية صغيرة تعرف باسم "فيلاكتيري"، تحت ذقن صاحب الهيكل العظمي، وعلى الأرجح أنه كان يرتديها حول عنقه ودُفنت معه.
في أيار (مايو) 2024، تحققّ إنجازٌ كبير عند استخدام أحدث جهاز تصوير مقطعي حاسوبي في مركز لايبنتس للآثار في ماينز. وقال إيفان كالاندرا، مدير مختبر إجراءات التصوير في المركز: "ما شكّل التحدّي في التحليل هو أن الصفيحة الفضية كانت ملفوفة. ولكن بالطبع بعد حوالي 1800 سنة كانت مجعدة ومضغوطة أيضاً. فباستخدام التصوير المقطعي المحوسب تمكّنا من مسحه ضوئياً بدقة عالية جداً، وإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد". ثم تم مسح القطعة الافتراضية قطعة بقطعة، ممّا سمح للخبراء بإلقاء نظرة على النص المنقوش على الأجزاء المنفردة من المسح الضوئيّ.
بعد ذلك حان وقت التجميع، فتمكّن ماركوس شولتز من جامعة غوته في فرانكفورت من تجميع السطور الثمانية عشر، وقال في بيان: "استغرق الأمر شهوراً، حتى خطرت لي الفكرة التالية. لقد استدعيت خبراء من تاريخ اللاهوت، وتناولنا النص معاً، وقمنا بفك رموزه". كانت بعض الحواف قد فُقدت بسبب التلف الذي لحق بالنصّ، وبقيت بعض الكلمات مفتوحة للنقاش. النقش الأصلي مكتوب بالكامل باللغة اللاتينية، وهو أمر غير مألوف في زمن كانت التمائم مكتوبة باللغة اليونانية أو العبريّة.
وها هو نقش فرانكفورت الفضي، استناداً إلى أحدث ترجمة:
(باسم؟) القديس تيطس.
قدوس، قدوس، قدوس!
باسم يسوع المسيح ابن الله!
رب العالم
يقاوم بـ [القوة؟]
جميع الهجمات(؟) / الانتكاسات(؟).
يمنح الإله(؟) العافية والرفاه.
يحمي جهاز الإنقاذ(؟) هذا(؟)
الشخص الذي يستسلم لمشيئة الرب يسوع المسيح، ابن الله،
أمام يسوع المسيح تنحني كل الركب: السماوية منها
والأرضية وتحت الأرض، وكل لسان يعترف (بيسوع المسيح).
وبدون إشارة إلى أي دين آخر غير المسيحية، وهو أمر نادر بالنسبة للتمائم في هذا العصر، فإن النقش المسيحي البحت لا يدلّ فقط على ظهور المسيحية في الشمال، بل يدلّ أيضاً على إخلاص صاحب التميمة. فخلال القرن الثالث الميلادي، كان الارتباط بالمسيحية لا يزال خطيراً في ذلك الوقت، وكان التعريف بالمسيحية ينطوي على مخاطر شخصية كبيرة. لكن لم يكن ذلك أمراً مهماً بالنسبة لهذا الرجل في فرانكفورت الذي حمل ولاءه ليسوع المسيح إلى قبره.
وقد تعزّزت الدراسة العلمية بإشارات لم يسبق العثور عليها في وقت قبل ذلك، مثل ذكر القديس تيطس، تلميذ الرسول بولس، والدعاء "قدوس، قدوس، قدوس!" الذي لم يكن الأكثر شيوعاً حتى القرن الرابع الميلادي، وعبارة "احنوا ركبكم" وهي اقتباس من رسالة بولس إلى أهل فيليبي.
وقال مايك جوزيف، عمدة فرانكفورت: "يشكّل نقش فرانكفورت ضجة علمية. ونتيجة له، سنعود بتاريخ المسيحية في فرانكفورت وخارجها حوالي 50 إلى 100 عام. نحن نفتخر بأن أول اكتشاف مسيحيّ شمال جبال الألب يأتي من مدينتنا، لا سيما أننا على مقربة من عيد الميلاد".
نبض