ما ارتداه جيل، يكتشفه جيل آخر
ما كان مألوفاً في خزائن الأمّهات والجدّات قد يتحوّل، بعد سنوات، إلى قطعة يبحث عنها جيل جديد. ففي زمن تتبدّل فيه الصيحات بسرعة، تعود الملابس القديمة لتجمع بين ذاكرة جيل وفضول جيل آخر، حاملةً معها تصاميم لا تفقد جاذبيتها بسهولة، وتفاصيل قد تكشف الكثير عن الطريقة التي كانت تُصنع بها الملابس.
شغف يتحوّل إلى مشروع
هذا الشغف جمع أمّاً وابنتها قررتا افتتاح متجر للملابس القديمة في لبنان، لتحوّلا اهتمامهما المشترك إلى مساحة تتيح إعادة اكتشاف قطع من الماضي. لكن الـVintage لا يقتصر على الاحتفاظ بملابس قديمة أو العودة إلى صيحات سابقة، بل يفتح نقاشاً أوسع حول طريقة صناعة الملابس، والوقت الذي يُستثمر في إنتاجها، والقيمة التي يمكن أن تحتفظ بها مع مرور السنوات.
لم تكن قيمة كثير من القطع القديمة في تصاميمها وحدها، بل أيضاً في الطريقة التي صُنعت بها. فالاهتمام بالتفاصيل، والعمل اليدوي في بعض مراحل التصنيع، والوقت المخصّص لإنجاز القطعة، عوامل ساهمت في الحفاظ على جودتها ومتانتها عبر السنوات. وفي هذه القطع، لا تبدو التفاصيل مجرّد إضافات جمالية، بل جزءاً من عملية تصنيع تمنح الملابس فرصة لتعيش أكثر من موسم أو جيل.
قطع جديدة... وعمر أقصر؟
في المقابل، تقوم الموضة السريعة على إنتاج كميات كبيرة من الملابس خلال فترات قصيرة، وطرح صيحات متجددة بأسعار منخفضة نسبياً. ورغم أنها جعلت الوصول إلى الموضة أسهل، فإن هذا النموذج يرتبط أيضاً بثقافة استهلاك تشجّع على الشراء المتكرر واستبدال الملابس مع تغيّر الصيحات، فيما قد تدفع الجودة المحدودة لبعض القطع المستهلكين إلى التخلي عنها بعد فترة قصيرة.
وسط هذه المفارقة، يبرز الـThrifting، أي شراء الملابس المستعملة، كأحد الخيارات التي تتيح إعادة استخدام القطع وإطالة عمرها. فهو يمنح المستهلك فرصة العثور على تصاميم مختلفة، بعيداً عن التشابه الذي قد تفرضه الصيحات الرائجة، ويشجّع على الاستفادة مما هو موجود بدلاً من الاستمرار في شراء الجديد. وبالنسبة إلى جيل يزداد اهتمامه بالاستدامة، لا يتعلّق الأمر بالسعر أو التميّز في المظهر فحسب، بل أيضاً بالتفكير في عادات الاستهلاك وأثرها.

والمفارقة أن الماضي لا يزال يؤثر في صناعة الموضة الحالية، إذ تستلهم علامات تجارية حديثة قصّات وألواناً وتفاصيل من تصاميم قديمة. لكن التشابه في الشكل لا يعني بالضرورة تطابقاً في الجودة أو طريقة التصنيع؛ فالتمييز بين القطع الأصلية والتصاميم المستوحاة منها يحتاج إلى معرفة بتاريخ العلامات التجارية وخصائص القطع، وهي خبرة تكتسب أهمية خاصة في عالم الـVintage.
الـVintage في لبنان: قيمة تحتاج إلى اكتشاف
على الرغم من وجود متاجر متخصّصة بالـVintage في لبنان، فإن هذا العالم لا يزال بحاجة إلى مزيد من التقدير، مقارنةً بما يحظى به في بعض الأسواق الأوروبية. فالتحدّي لا يكمن في غياب هذه المتاجر، بل في تعزيز الوعي بما تقدّمه من قطع تحمل قيمة من حيث الجودة والحرفية والتفرّد، والنظر إليها بوصفها أكثر من مجرّد ملابس قديمة أو صيحات تعود إلى الماضي.
ففي النهاية، يتجاوز الـVintage حدود الأناقة، ليطرح سؤالاً عن علاقتنا بالملابس: هل نشتريها لنرتديها، أم لنستبدلها؟
نبض