آخر جيل "مكواة الرِجل" يقاوم الاندثار في القاهرة... مهنة متوارثة تواجه العصر
القاهرة – مارولا مجدي
في شارع القبيسي بمنطقة الضاهر، لا يزال مشهدٌ من زمنٍ آخر يقاوم الاختفاء.
هناك، يجلس "عم محمود" أمام مكواته الحديد الثقيلة، مستخدماً ساقه منضدة لكيّ الملابس، في مهنة ورثها عن والده قبل نحو نصف قرن، وباتت اليوم و من الحرف التي تكاد أن تختفي من شوارع القاهرة.
"عم محمود"، البالغ 71 عاماً، دخل المهنة عندما كان في العشرين من عمره، بعدما تعلّمها عن والده، وقضى سنوات صبياً يتدرّب على تفاصيلها قبل أن يمسك المكواة ويعمل بها وحده.

"أنا بقالي في المهنة دي 50 سنة"... يقولها "عم محمود"، الذي لا يزال متمسكاً بصنعته القديمة، رغم انتشار المكواة الكهربائية ومكواة البخار وتراجع عدد العاملين بـ"مكواة الرِجل".
وتعود هذه الطريقة إلى زمن كانت فيه المكواة تُسخّن على الفحم، قبل أن تتطور لاحقاً إلى استخدام الجاز ثم الغاز. ويعتمد المكوجي على تسخين المكواة جيداً، ثم ترطيب الملابس قبل تمريرها عليها، لتمنح القماش شكله النهائي والكسرة المطلوبة.

لكن ما يجعل "عم محمود" متمسكاً بمكواة الرِجل ليس فارتباطه بها فحسب، بل إيمانه بأن الطريقة القديمة تمنح الملابس نتيجة مختلفة.
هو لا يستخدم المكواة الكهربائية، ويقول إن المكواة البخارية لا تمنحه "الكسرة" التي يريدها، كما أن الملابس قد تخرج منها رطبة، بينما تمنح مكواة الرِجل القماش طبعة أكثر ثباتاً، وتبقى النتيجة لمدةٍ أطول.
وليس "عم محمود" وحده من يتمسك بهذه الطريقة. فرغم مشقة الوصول إلى شارع القبيسي، يأتيه زبائن من مناطق بعيدة، بعضهم يقطع مسافات طويلة خصيصاً لكي يحصل على الخدمة بالطريقة القديمة.
زبائنه يرون أن مكواة الرِجل تحافظ على الملابس أكثر، وأن أثر الكي يبقى فيها مدةً أطول، فضلاً عن شكل "الكسرة" الذي اعتادوا عليه ولا يجدونه بالطريقة نفسها مع المكاوي الحديثة.
وبينما اختفت مكواة الرِجل من شوارع كثيرة، لا يزال هناك من يفضّلها، حتى لو كان الوصول إلى صاحبها يتطلب رحلة أطول. بالنسبة الى هؤلاء، الأمر ليس مجرد كيّ للملابس، بل ثقة بطريقة قديمة اعتادوا عليها سنوات.

لكن استمرار المهنة يبدو أكثر صعوبة مع مرور الوقت. فـ"عم محمود" يقول إن عدد العاملين فيها أصبح قليلاً جداً، وإن غالب من كانوا يمارسونها من جيله رحلوا، بينما لم ينتقل العمل إلى الأجيال الجديدة.
حتى أبناؤه لم يتعلموا المهنة، فهو يرى أنها شاقة، وتتطلب الكثير من الانحناء والعمل في وضعية متعبة، في وقت يبحث فيه الشباب عن أعمال أكثر راحة وأقل مشقة.

ومع ذلك، لا يفكر "عم محمود" في ترك مكواته: "أشتغل الحاجة اللي أنا أعرفها أحسن من اللي معرفهاش".
خمسون عاماً قضاها الرجل في المهنة جعلت منها أكثر من مجرد مصدر للرزق. هي بالنسبة إليه حياته وأكله ورزقه، ولذلك لا يرى نفسه بعيداً عنها.
"أعشق المهنة"... يقول "عم محمود"، مؤكداً أن الموت وحده يمكن أن يبعده عنها.
في شارع القبيسي بالضاهر، تبدو مكواة الرِجل اليوم أشبه بقطعة من الماضي الحي؛ مهنة تقاوم التكنولوجيا لا لأنها ترفض التطور، بل لأن هناك من لا يزال يرى في طريقتها جودةً لا توفرها الآلات الحديثة.

ومع كل قطعة ملابس تمر تحت مكواته، يحاول "عم محمود" أن يحافظ على آخر خيط يصل هذه الصنعة بأيامها القديمة، قبل أن تصبح "مكواة الرِجل" جزءاً من ذاكرة القاهرة وتراثها، أكثر من كونها مهنة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
نبض