كيف تغذّي السوشال ميديا الهوس العاطفي؟ فهم التأثيرات النفسيّة
أصبحت العلاقات تبدأ وتستمر أحياناً خلف شاشة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من الطريقة التي نفسّر تصرفات الآخرين بها. هذا التفسير المصحوب بالتوتر والقلق والترقّب المتواصل، تحوّل إلى هوس عاطفي يصعب إيقافه. فكيف تغذّي وسائل التواصل الاجتماعي هذه الحالة؟
يشرح المعالج النفسي والمستشار لدى منظمة "أطباء بلا حدود"، الدكتور ماريو عبود، لـ"النهار"، أنّ منصات التواصل خلقت قلقاً جديداً من نوع آخر لدى المستخدمين، ودخلنا في ظاهرة "إضافة الطابع العاطفي" (romanticizing). أنا أتحكّم بما أنشره وأظهره بالطريقة التي أريد وبالانطباع الذي أريد الآخرين أن يأخذوه عني، لكن هذا الأمر لا يمثل الواقع الفعلي، ولا بالضرورة الحقيقة الكاملة، فالناس يظهرون ما يريدون إظهاره فقط.
إلى جانب هذا الواقع المشوَّه وغير المكتمل، يوضح عبود أنّ هناك سهولة بالوصول إلى الشخص، عبر هذه المنصات. ومع هذه العوامل، فُتحت مساحة جديدة للقلق، وبدأت أسئلة على غرار: مَن الذي وضع إعجاباً؟ مَن الذي تابعني؟ هل علّق أحد؟ مَن الذي علّق؟ ماذا أنشر على وسائل التواصل الاجتماعي؟ ما الذي يجب ألا أنشره؟ هل الحساب خاص أم عام؟ وما الفرق بين أن أرتدي الملابس نفسها وأنزل بها إلى الشارع، وأن أرتديها وألتقط صورة بها وأنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي؟

بالتالي، وسائل التواصل الاجتماعي زادت التعلّق والهوس العاطفي، لأنها أتاحت لنا مراقبة الشخص باستمرار، من منشوراته وإعجاباته إلى متابعيه وتفاعله معنا. حتى الإشارات الصغيرة، مثل الإعجاب أو مشاهدة الفيديو أو الرد، قد تتحول إلى مصدر للأمل والقلق، خصوصاً عندما لا نعرف حقيقة مشاعره تجاهنا، فنبدأ بتحليل كل تصرف والبحث عن معانٍ خفية.
ومع سهولة الوصول المستمر إلى الشخص، قد نتعلق أكثر بالصورة التي رسمناها عنه وباحتمالية العلاقة، لا بالعلاقة الحقيقية نفسها. وهكذا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي وقوداً مستمراً للتعلّق: وصول دائم، عدم يقين، مراقبة مستمرة، ومكافأة فورية.

كل هذه الأمور صبّت تركيزاً جديداً للناس وأصابتهم بالهوس، وفق عبود. وفي إطار العلاقات العاطفية، تصبح مشاعر ومظاهر الهوس والقلق والتعلّق أكبر، وتبدأ الأسئلة على غرار: هل ردّ عليّ أم لم يردّ؟ هل ظهر متصلاً بالإنترنت أم لم يظهر؟ ومتى كان متصلاً؟ ولماذا لم يرد؟ لمَن وضع علامة إعجاب؟ غيّر صورته الشخصية! خرج يلهو مع أصدقائه! كل هذه الأمور يمكن أن تصبح محوراً جديداً للانشغال والهوس، ما يخلق مصدراً للقلق والتوتر.
وإلى جانب وضعية التأهب المتواصل عند سماع أي إشعار ومراقبة الجوال المتواصلة، يفيد عبود بأنّ هذه الحالة تجعل الشخص يختلق لنفسه سيناريوهات في ذهنه، وتبدأ أسئلة مثل: هل يعقل؟ لقد فعل هذا الأمر، وأرسل لي هذه الرسالة، وقال لي هذا الكلام، ووضع هذه النقاط هنا، وهذه عادةً لا يرسلها إلا في حالة كذا! ويبدأ بقراءة الأمور وتحليلها وإعطائها معانيَ أكثر فأكثر.
كذلك، الإنسان أصلاً لديه ميل للتفكير والانشغال بأمر معيّن، فكيف إذا أُعطي المزيد من الأشياء التي يركز عليها، والتي يمكن أن يصبح مهووساً بها، ويقرأ فيها معانيَ مختلفة، ويحللها ويفسرها؟ يسأل عبود.
لكن ما على الناس أن يعوا له ليخففوا من هذا القلق هو أنّنا أمام صورة افتراضية عن هؤلاء الأشخاص على منصات التواصل، والتوقّف عن تحليل الصور والفيديوهات وأخذها على منحى شخصي. فأحياناً الحديث الواقعي والواضح، قد يُساء تفسيره وفهمه، فكيف إن كان صورة أو محادثة من العالم الافتراضي؟
نبض