مؤثرات في مواجهة العنف... "محاكمات علنية" عبر السوشيال ميديا؟ (فيديو)
لم تعد الخلافات الزوجية حبيسة المنزل أو نطاق الحياة الخاصة، ولا حتى المحاكم في أقصى الحالات... فقد ظهرت "محاكم" جديدة، علنية ومفتوحة أمام الجميع: السوشيال ميديا.
بين الحين والآخر، نجد أنفسنا أمام أزمات زوجية تُكشف تفاصيلها على الملأ، من العنف الجسدي والإهانات إلى الخيانة والانفصال، فنستمع إلى رواية طرف واحد، ثم نُصدر أحكامنا ونبني مواقفنا على ما نسمعه ونراه.
فقد تصدّرت قضية صانعة المحتوى اللبنانية شروق "صن شاين" مواقع التواصل بعد تسرّب فيديوات قيل إنها توثّق تعرضها للعنف الجسدي من طليقها، جورج ديب المعروف بـ"دكتور فود"، فيما أثارت المؤثرة العراقية مريم صفاء تفاعلاً واسعاً بعد إعلان انفصالها عن زوجها ونشرها صوراً ومقاطع لإصابات وكدمات في جسدها، متحدثةً عن تعرضها للعنف.

@fw_9a ♬ الصوت الأصلي - Maryam Safa
أما الكوميدية وصانعة المحتوى المغربية لبنى الجوهري، فكشفت للمرة الأولى عن تعرضها لاعتداء جنسي خلال مراهقتها بعد سنوات من الصمت، واختارت مشاركة تجربتها علناً بهدف كسر حاجز الصمت وتشجيع من مرّوا بتجارب مشابهة على طلب الدعم.
@mabx.dii #loubnajaouhari #fyp #viral #foryou #اكسبلور ♬ الصوت الأصلي - ᴍᴀʙx.ᴅɪ
ثلاث تجارب مختلفة، لكنها تطرح سؤالاً واحداً: ماذا يدفع الإنسان إلى نقل ألمه من المساحة الخاصة إلى العلن؟ وهل يكون ذلك استعادةً للصوت والسيطرة... أم بدايةً لمحاكمة جديدة على السوشيال ميديا؟
بين استعادة الصوت والبحث عن التعاطف
تختلف دوافع النساء اللواتي يخترن كشف تجاربهن المؤلمة أمام الجمهور، بحسب ماري أبو هلون شاهين، اختصاصية ومعالجة نفسية، التي ترى أن لكل حالة خصوصيتها. إلا أن اللجوء إلى العلن قد يرتبط أحياناً بمحاولة استعادة الصوت والسيطرة بعد تجربة جعلت المرأة تشعر بالعجز.
وتوضح شاهين أن "المرأة قد تكون ضحية للعنف الزوجي أو المنزلي، أو للتنمّر والضغوط الاجتماعية، وقد تصل إلى مرحلة تشعر فيها بأنها لم تعد قادرة على تحمّل ما مرّت به، فتجد في الإعلام أو وسائل التواصل مساحة للتعبير عن تجربتها".
وبحسب شاهين، المرأة في المجتمعات الشرقية غالباً ما تكون موضع اللوم عند حدوث خلل في الزواج، فيما لا تحصل دائماً على الدعم أو الحماية الكافيين، ما قد يجعل الظهور العلني نوعاً من رد الفعل على واقع اجتماعي لم ينصفها.
لكن الظهور أمام ملايين المتابعين يعني، في المقابل، الخروج من دائرة الخصوصية. وترى شاهين أن كشف الألم بهذه الطريقة قد يتحول، في بعض الحالات، إلى بحث عن التفاعل والتعاطف، أو عن قوة تأتي من الخارج عندما يكون الشخص قد فقد جزءاً من شعوره بالقوة في الداخل.

التعاطف ليس تعافياً
وفي تفسيرها لدوافع اللجوء إلى العلن، تقول شاهين إن "المرأة التي تنشر تجربتها قد تكون تبحث عن أشخاص يقولون لها إن ما تعرضت له مؤلم وإنهم يقفون إلى جانبها. وقد يكون نشر التجربة أيضاً وسيلة للتعبير عن الغضب ووضع الألم أمام الجمهور".
لكنها تشدد على ضرورة التمييز بين الحصول على التعاطف والتعافي النفسي. فالاهتمام والتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يعنيان بالضرورة أن الشخص يتعافى من الصدمة، إذ يحتاج التعافي إلى إطار علاجي منظّم ومساعدة متخصصة وفقاً لحالة كل شخص.
وتلفت شاهين إلى أن بعض ردود الفعل قد تكون مرتبطة بتجارب أقدم، فالإنسان الذي عاش مشاعر الظلم أو العجز في طفولته قد يحمل آثارها معه إلى مراحل لاحقة من حياته. لذلك، لا يمكن فهم طريقة تعاطي شخص ما مع الأذى من خلال الحدث الحالي وحده.
"السوشيال ميديا ليست محكمة"
ترفض شاهين وصف ما يحدث بالمحاكمة، موضحةً أن "المحاكمة تحتاج إلى قانون وقاضٍ وأدلة وشهود والاستماع إلى جميع الأطراف. أما على وسائل التواصل الاجتماعي، فنحن غالباً أمام رواية طرف واحد، ثم أمام جمهور يبدأ بإصدار الأحكام بناءً على ما شاهده وسمعه".
وتشرح أن فهم المشكلة يحتاج إلى الاستماع لـ"سردية" جميع الأطراف، فيما قد يؤدي إصدار الأحكام من خلال رواية واحدة إلى تحويل الجمهور نفسه إلى جزء من دائرة التشهير والعنف.
كما أن طبيعة وسائل التواصل القائمة على التفاعل وسرعة الانتشار تجعل الألم الشخصي، في بعض الحالات، مادة للجدل والمشاهدة والتعليقات، وقد يتحول إلى محتوى بحد ذاته.
ومن هنا، تختصر شاهين موقفها بعبارة لافتة: "السوشيال ميديا ليست محكمة، والفضيحة ليست حقيقة".
بين التشهير والرغبة في الانتقام
وقد يتحوّل كشف التجربة، في بعض الحالات، من محاولة للتعبير عن الألم إلى مساحة للتشهير أو الانتقام، خصوصاً عندما تُعرض تفاصيل العلاقة أمام جمهور واسع. إلا أن شاهين تؤكد أن الحكم على الدوافع النفسية لصاحب التجربة لا يمكن أن يتم من خلال فيديو أو منشور، كما لا يمكن تشخيص أي شخص نفسياً بناءً على ما ينشره عبر مواقع التواصل.
وترى أن بعض التصرفات قد تعكس حاجة إلى التعبير أو التعاطف أو استعادة الشعور بالقوة، لكن فهمها يتطلب النظر إلى التجربة النفسية كاملة، وليس إلى محتوى مقتطع من سياقه.
التوعية بدلاً من المحاكمة الشعبية
أما الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى النساء والفتيات، بحسب شاهين، فهي أن مواجهة العنف لا تعني بالضرورة كشف تفاصيل التجربة أمام الجمهور. فمواجهة العنف تحتاج إلى الحماية والدعم النفسي والقانوني، وليس إلى محاكمة شعبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتشدد على أهمية التوعية، خصوصاً في ما يتعلق بمؤشرات العنف داخل العلاقات، إذ إن العنف لا يظهر بالضرورة فجأة بعد الزواج، وقد تكون له علامات ومؤشرات تسبق ذلك.
نبض