هندسة خفيّة... لماذا تغيب النوافذ عن مراكز التسوّق؟
فرانسيسكا موسى
في مراكز التسوّق، لا يقتصر التصميم على توزيع المتاجر والممرات أو اختيار الإضاءة والديكور، بل يمتدّ إلى تفاصيل قد لا يلاحظها الزائر، أبرزها غياب النوافذ عن مساحات واسعة من هذه المراكز. هذا الخيار المعماري، الذي يحدّ من الاتصال بالضوء الطبيعي وتبدّلات الطقس وحركة النهار، يطرح أسئلة تتجاوز الجانب الجمالي إلى العلاقة بين تصميم المكان وتجربة المستهلك. فهل يؤثر غياب النوافذ في إدراكنا للوقت وطريقة تفاعلنا مع المكان؟ وإلى أيّ مدى يمكن للهندسة المعمارية وعلم النفس البيئي أن يفسّرا سلوكنا داخل المساحات التجارية؟

لماذا تغيب النوافذ عن مراكز التسوّق؟
لا يمكن اختزال غياب النوافذ في سبب واحد، كما لا يمكن الجزم بأن مراكز التسوّق تتخلّى عنها حصراً لدفع الزائر إلى التسوّق لفترة أطول. فتصميم المراكز التجارية تحكمه اعتبارات معمارية ووظيفية متعددة، من تنظيم المساحات الداخلية وتوزيع واجهات المتاجر إلى التحكّم في الإضاءة والبيئة المحيطة. لكن الأبحاث الحديثة تكشف، في المقابل، أن الضوء والعناصر البصرية ليست تفاصيل محايدة، بل عوامل يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يدرك بها الزائر المكان ويتفاعل معه.

الضوء يصبح جزءاً من تجربة التسوّق
قد تبدو النافذة تفصيلاً معمارياً عادياً، إلا أن حضورها أو غيابها يغيّر طبيعة العلاقة بين الزائر والمساحة التي يتحرّك فيها. ففي العديد من مراكز التسوّق، تحلّ الإضاءة الاصطناعية محلّ ضوء النهار في مساحات واسعة، فيما يصبح الاتصال البصري بالعالم الخارجي محدوداً أو غائباً. وبحسب دراسة نُشرت في مجلة "Energy and Buildings" العلمية، تناولت تصوّرات المتسوّقين وتفضيلاتهم تجاه الإضاءة الطبيعية في مراكز التسوّق، أظهرت النتائج أن الإطلالة إلى الخارج ودخول أشعّة الشمس يعزّزان إدراك الزائر لضوء النهار.
وبرز تحسين المزاج كأحد أبرز الأسباب المرتبطة بتقدير المشاركين للإضاءة الطبيعية، إلى جانب أهمية جودة الإضاءة في مستوى رضاهم عن البيئة الداخلية. وتمنح هذه النتائج النافذة دوراً يتجاوز إدخال الضوء إلى المكان؛ فهي تشكّل صلة بصرية مستمرّة مع الخارج، بما يحمله من تغيّر في سطوع النهار والطقس والمشهد المحيط. وعندما تغيب هذه الإشارات، تصبح التجربة الداخلية أكثر اعتماداً على الإضاءة الاصطناعية والتصميم في تحديد أجواء المكان.
لكن ذلك لا يعني، من الناحية العلمية، أن غياب النوافذ صُمّم بالضرورة لجعل المتسوّق "يفقد الإحساس بالوقت". فالدراسة لا تثبت هذه الفرضية تحديداً، بل تشير بصورة أوضح إلى أن الضوء الطبيعي والإطلالة الخارجية وجودة البيئة البصرية عوامل ترتبط بكيفية إدراك الزائر للمكان وراحته داخله.

ما نراه قد يغيّر طريقة تفاعلنا مع المكان
ولا يتوقف تأثير التصميم عند الضوء، بل يمتدّ إلى ما تسمح المساحة للعين برؤيته وما تحجبه عنها. فطريقة عرض المتاجر وانفتاح واجهاتها على الممرات يمكن أن تكون جزءاً من التجربة التي تحدّد ما يلفت انتباه المستهلك وكيف يتفاعل مع محيطه. ووفق دراسة نُشرت عام 2022 في Journal of Retailing and Consumer Services، اختبر الباحثون تأثير درجة شفافية واجهات المتاجر في استجابة المستهلك، باستخدام تقنية الواقع الافتراضي ومقارنة مستويات مختلفة من الشفافية. وأظهرت النتائج أن الواجهات الأكثر شفافية، التي تمنح رؤية أوضح إلى داخل المتجر، حظيت بتقييمات أعلى من حيث الجاذبية، وأمضى المشاركون وقتاً أطول في النظر إليها.

وربطت الدراسة هذه الاستجابة بانخفاض التعقيد البصري المُدرَك وارتفاع الشعور بالمتعة. وتشير هذه النتائج إلى أن الطريقة التي تُنظَّم بها الرؤية داخل المساحات التجارية ليست تفصيلاً عشوائياً، بل يمكن أن تؤثر في كيفية استقبال المستهلك للمكان وتفاعله معه.
من هنا، لا يعود تصميم مركز التسوّق مجرد خلفية لعملية التسوّق، بل يصبح جزءاً من التجربة نفسها؛ فالضوء والواجهات والانفتاح البصري، وما يُكشف أمام الزائر أو يُحجب عنه، كلها عناصر تسهم في تشكيل إدراكه للمساحة. ومع ذلك، تبقى الدقة ضرورية عند ربط هذه النتائج بغياب النوافذ الخارجية. فالدراسات الحديثة تدعم وجود علاقة بين التصميم والإدراك وتجربة المستهلك، لكنها لا تكفي لإثبات أن مراكز التسوّق تتعمّد الاستغناء عن النوافذ بهدف دفع الناس إلى البقاء والشراء لفترة أطول.
لا يُعدّ غياب النوافذ في مراكز التسوّق تفصيلاً عابراً، بل هو عنصر ضمن بيئة تتداخل فيها العمارة والإضاءة وتجربة المستهلك. وبين التصميم والسلوك، قد تؤثر المساحة في طريقة تسوّقنا أكثر مما نلاحظ.
نبض