قبل آلاف السنين... هل كانت القطط هي التي تروّضنا؟

لايف ستايل 08-08-2026 | 18:18

قبل آلاف السنين... هل كانت القطط هي التي تروّضنا؟

تعكس القطط توازناً بين الحرّية والارتباط، ما يجعل وجودها في بيوتنا تجربة فريدة ومحبّبة...
قبل آلاف السنين... هل كانت القطط هي التي تروّضنا؟
صورة تعبيرية لقط (Pexels)
Smaller Bigger

لآلاف السنين، تقاسم البشر منازلهم وحقولهم ومدنهم مع أحد أكثر الحيوانات استقلالية في العالم. وعلى عكس الكلاب، لم تخضع القطط لعمليات تربية وانتقاء مكثّفة بهدف جعلها تؤدي مهام محددة. يبدو أن علاقتها بالإنسان بدأت باتفاق أبسط بكثير: نحن نوفّر الطعام، وهي تتكفّل بإبعاد القوارض.

 

لكن ما بدأ كعلاقة عملية حول مخازن الحبوب، تحوّل مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر العلاقات رسوخاً بين البشر والحيوانات. وفي اليوم العالمي للقطط، تبدو قصّة هذا الحيوان فرصة للتوقف عند مسار غريب ومثير: كيف انتقلت القطة من البرية إلى منازلنا، من دون أن تتخلّى تماماً عن استقلاليتها؟

 

 

صورة تعبيرية لقط (Pexels)
صورة تعبيرية لقط (Pexels)

 

البداية كانت في الحقول

 

يرجّح أن تكون الحكاية بدأت عندما استقر البشر في مجتمعات زراعية في الشرق الأدنى. ومع زراعة المحاصيل وتخزين الحبوب، نشأت من دون قصد بيئة مثالية للقوارض.

 

ولم تتأخّر القطط البرية، ولا سيما القط البري في الشرق الأدنى (Felis silvestris lybica)، في اكتشاف هذه المستوطنات الغنية بالفرائس. بالنسبة إليها، كان المكان أشبه بموائد مفتوحة، وبالنسبة إلى البشر، كان وجودها مفيداً لأنها تصطاد الفئران وغيرها من القوارض التي تهدد مخزونات الغذاء.

 

ولا يبدو أن الإنسان أمسك بالقطط البرية وقرر منذ البداية تربيتها وتحويلها إلى حيوانات أليفة. يرجّح الباحثون أن العلاقة تطورت بالتدريج، من خلال ما يوصف أحياناً بـ"التدجين الذاتي" أو التعايش: القطط استفادت من قربها من البشر ومن وفرة الفرائس، فيما استفاد البشر من مهاراتها في الصيد.

 

لم يكن هناك، إذن، قرار رسمي بالتدجين. فقط طرفان اكتشفا أن وجود الآخر مفيد.

 

 

صورة تعبيرية لقط (Pexels)
صورة تعبيرية لقط (Pexels)

 

قطة دُفنت إلى جانب إنسان قبل 9500 عام

 

من أكثر الأدلة إثارة على هذه العلاقة القديمة اكتشاف أثري في جزيرة قبرص في البحر المتوسط.

 

ففي مستوطنة شيلّوركامبوس النيوليثية، عثر علماء الآثار على رفات إنسان وقطة دُفنا معاً قبل نحو 9500 عام، إلى جانب أغراض من بينها أصداف وأحجار مصقولة. وتشير حالة الرفات وطريقة وضعها إلى أن الدفن كان متعمّداً.

 

لكن اللافت أكثر هو أن القطط لم تكن من الحيوانات الأصلية في قبرص. وهذا يعني أن البشر حملوا القطط معهم إلى الجزيرة، ما يكشف أن العلاقة بين الطرفين كانت قد تجاوزت مجرد وجود قطط برّية قرب المستوطنات.

 

بعبارة أخرى، كانت القطط تسافر مع البشر قبل آلاف السنين من أن تصبح رفيقة المنزل التي نعرفها اليوم.

 

ويُعد هذا القبر أقدم دليل أثري معروف على علاقة خاصة بين الإنسان والقطط، لكنه لا يعني بالضرورة أن القطط كانت قد أصبحت مدجّنة بالكامل في ذلك الوقت.

 

 

في مصر، تغيّر كل شيء

 

بعد ذلك بقرون، أصبحت القطط جزءاً راسخاً من المجتمع المصري القديم.

 

ظهرت في الأعمال الفنية، وارتبطت بالآلهة والمعتقدات، وحظيت بمكانة خاصة في الحياة الدينية والثقافية، وعُثر على أعداد كبيرة من القطط المحنّطة.

 

لكن دور مصر لم يكن رمزياً فقط. تشير الأبحاث الجينية إلى أن تدجين القطط لم يكن حدثاً واحداً وقع في مكان واحد، بل عملية مرت بمراحل عدة. بدأت ملامحها الأولى في الشرق الأدنى، ثم تسارعت في مصر القديمة.

 

ومن هناك، واصلت القطط رحلتها مع البشر. حملتها السفن والتجارة والتنقلات البشرية عبر البحر المتوسط ومناطق أخرى، لتنتشر تدريجاً في أنحاء مختلفة من العالم.

 

 

صورة تعبيرية لقط (Pexels)
صورة تعبيرية لقط (Pexels)

 

ليست كالكلاب... وهذا سرّها

 

ربما هنا تكمن أكثر النقاط إثارة في قصة القطط.

 

فالإنسان تدخّل في تطوّر الكلاب تدخلاً كبيراً، وانتقاها عبر آلاف السنين لتؤدّي وظائف مختلفة، من الصيد والحراسة إلى الرعي والرفقة. ونتيجة لذلك ظهرت سلالات شديدة التنوّع في الشكل والحجم والسلوك.

 

أما القطط، فكانت قصتها مختلفة.

 

 

صورة تعبيرية (Pexels)
صورة تعبيرية (Pexels)

 

فقد خضعت لقدر أقل بكثير من التربية الانتقائية المكثفة طوال معظم تاريخها. ولهذا لا تزال القطط المنزلية الحديثة تشبه أسلافها البرية إلى حد لافت، سواء في شكلها أو في سلوكها.

 

لا تزال غريزة الصيد حاضرة فيها، ولا تزال قادرة على العيش باستقلالية نسبية، حتى وهي تتشارك معنا المنزل والطعام والسرير أحياناً.

 

بل إن الأبحاث الجينية والأثرية الحديثة تعيد النظر في بعض الافتراضات القديمة حول متى وأين ظهرت القطط المنزلية تحديداً، وتكشف أن قصة تدجينها أكثر تعقيداً من لحظة واحدة يمكن تحديدها بدقة.

 

صورة تعبيرية (Pexels)
صورة تعبيرية (Pexels)

 

من صيد الفئران إلى احتلال الأرائك

 

ما بدأ قرب مخازن الحبوب القديمة انتهى إلى واحدة من أكثر العلاقات استمرارية بين البشر والحيوانات.

 

ساعدت القطط في حماية مخزونات الطعام، وسافرت مع التجار والمستوطنين عبر القارات، وأصبحت رموزاً مقدسة في مصر القديمة، ثم وصلت في النهاية إلى المكان الذي تبدو فيه أكثر راحة اليوم: الأرائك، وعتبات النوافذ، والأسِرّة. لكن المثير في قصّتها أن البشر لم يسيطروا عليها بالكامل كما فعلوا مع كثير من الحيوانات الأخرى.

 

فالقطط دخلت عالمنا، لكنها احتفظت بالكثير من شروطها الخاصة.

 

 

صورة تعبيرية لقط (Pexels)
صورة تعبيرية لقط (Pexels)

 

وربما لهذا السبب تحديداً ما زلنا نحبّها.

 

نحن نضع لها الطعام في الوعاء، ونفتح لها الأبواب، ونشتري لها الألعاب، ونبحث عنها عندما تختفي، ثم نشعر بالامتنان عندما تقرر، من تلقاء نفسها، أن تجلس إلى جانبنا.

 

وبعد آلاف السنين، تبدو الصفقة الأولى كما لو أنها لم تتغير كثيراً: نحن نوفر الطعام... وهي لا تزال مقتنعة بأن المنزل منزلها.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/7/2026 3:00:00 AM
المغرب انخرط، وفقاً للتعليمات الملكية السامية إلى وزارتي الداخلية والشؤون الخارجية، في العمل على تحديد هوية القاصرين غير المرفوقين بهدف إعادتهم إلى الوطن...
شمال إفريقيا 8/7/2026 5:58:00 PM
من علاج السرطان ببيكربونات الصوديوم إلى مناهضة اللقاحات... من هي باربرا أونيل التي حظرت مصر ظهورها ومنعت تداول محتواها الصحي؟
اقتصاد وأعمال 8/7/2026 9:11:00 AM
كيف أصبحت أسعار المحروقات في لبنان؟