لمَن يبحث عن الاهتمام... توقّف عن إزعاج الآخرين!
كم منا مُحاط بأشخاص يبحثون عن الاهتمام حتى في أبسط المواقف. هم لا يشعرون بما يقومون به من مبالغة في ردود الفعل وتوصيف الأمور وإعطاء كل موقف حجمه الطبيعي، لكنّهم حتماً يزعجون مَن حولهم بمصادرة الاهتمام وانتزاعه من الآخرين حتى. ولعلّ هذا الأمر قد يؤثر على علاقة محيطهم بهم سلباً أكثر ممّا يؤثر عليهم.
توضح المعالجة النفسية والأستاذة المحاضرة في جامعة الروح القدس الكسليك الدكتورة سندي الترك، أنّ الرغبة في الاهتمام ليست دائماً نقطة ضعف إذ يحتاج الإنسان إلى أن يُرى، ويُسمع، وأن يشعر بأن المجتمع يتفاعل معه. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الحاجة إلى الاهتمام مفرطة، وتؤثر بشكل واضح في سلوك الشخص، وبمَن حوله. فمثلاً، عندما يضخّم الشخص الصدمة أو الأعراض التي يعاني منها ليحصل على اهتمام أكبر، أو يبالغ في حجم المشكلة أو الألم من أجل استقطاب تعاطف الآخرين، ففي هذه الحالات تصبح الحاجة إلى الاهتمام غير صحية.
طلب الاهتمام ليس شكلاً من أشكال التلاعب (Manipulation) بالمعنى السلبي، وفق الترك. فغالباً، يحدث هذا السلوك بصورة غير واعية. وفي حالات قليلة واستثنائية، إذ ظهرت بشكل واضح في مختلف جوانب حياته، قد تكون إحدى سمات اضطراب الشخصية الهستيرية (Histrionic Personality Disorder).
ما أسباب هذا النقص؟
تعدّد الترك الأسباب التالية:
- مشكلات التعلق: غالباً ما يكون لهذا السلوك جذور، أوّلها قد يكون مشكلات التعلق التي تنشأ في العلاقة بين الطفل ووالديه عندما لا يستقبل المشاعر بانتظام، يتعلّم أنّ الحب لا يأتي بصورة طبيعية، بل يجب أن يُنتزع أو يُكتسب بالمبالغة، وأنّه عندما يبالغ في التعبير أو يرفع مستوى انفعاله، ينال الاهتمام الذي يبحث عنه. وقد يستمر هذا النمط معه حتى مرحلة البلوغ.
- انخفاض تقدير الذات: هنا، يشعر الشخص بقيمته من خلال اهتمام الآخرين به، وكأن وجوده يعتمد على نظرة الآخرين إليه.
- التعزيز (Reinforcement): دون أي عامل صادم، قد يلاحظ الشخص ببساطة أنّ بعض السلوكيات تجلب له اهتمام الآخرين وتعاطفهم، فيكررها مع الوقت لأنها تحقق له النتيجة التي يرغب فيها، فيترسخ هذا النمط السلوكي لديه.

يحصل على الاهتمام بإزعاج الآخرين!
تأثير هذا السلوك على الآخرين يرتبط بشدته، تؤكّد الترك، لأنّ الحوار يتحوّل إلى اتجاه واحد، بحيث يتحدّث الشخص باستمرار عن نفسه في محاولة للحصول على الاهتمام، متجاهلاً احتياجات الشخص الآخر بينما يصبح دوره مقتصراً على الاستماع فقط، ما يسبب انزعاجاً كبيراً، ويدفع بعض الأشخاص إلى الانسحاب من هذه العلاقة. وعندما تكثر سلوكيات البحث عن الاهتمام، يصبح كل موقف مشحوناً بانفعالات عالية، وهو أمر قد يكون مرهقاً ومتعباً للأشخاص المحيطين.
كيف نتعامل معه؟
ردود الفعل، وفق الترك، تنقسم بين المبالغة في منح الاهتمام باستمرار، أو بالتجنّب والابتعاد عن الشخص، وقد يصل الأمر أحياناً إلى توجيه انتقادات جارحة له. والطريقة الأفضل، بحسب الترك، إن كان هؤلاء الأشخاص جزءاً من حياتنا، هي ألّا نعزّز السلوك الذي يهدف إلى جذب الانتباه أو الدراما، والتفاعل مع الشخص نفسه، لا مع المبالغة أو الدراما التي يستخدمها للحصول على الاهتمام. نعم، من المهم الإصغاء إلى ما يقوله، وفهم مشاعره بصورة أعمق، لكن دون تعزيز السلوك المبالَغ فيه.

لذا، يُنصح بتجاهل التعبير البسيط والهادئ، ثم منح الاهتمام الكبير في حال أزمة أو موقف كبير. لا يعني الأمر تجاهل معاناته أو ألمه، بل أن نكون حاضرين ومتفاعلين معه في جميع الأوقات بالطريقة نفسها، لا أن يقتصر اهتمامنا على اللحظات التي تكون فيها المشاعر مرتفعة أو المواقف درامية.
ويمكن أن نبادر بإظهار الاهتمام قبل أن يطلبه، بحسب الترك، من خلال السؤال عنه، والاطمئنان عليه، والحفاظ على التواصل معه بانتظام. فهذا يخفف من شعوره بالحاجة إلى تضخيم المشكلات أو المبالغة في التعبير عنها.
ومن المهم أيضاً وضع حدود واضحة، لكن بلطف واحترام، تقول الترك، فليست الكلمات وحدها هي المهمة، بل الطريقة التي تُقال بها، فمثلًا قد نقول: "يهمّني أن أستمع إليك، لكن عندما يصبح كل أمر عاجلاً ومليئاً بالانفعال، أجد صعوبة في التركيز. ربما يكون من الأفضل أن نتحدث عندما تهدأ الأمور قليلاً".
كيف تتوقف عن طلب الاهتمام؟
الخطوة الأولى تبدأ بقرارك الشخصي ورغبتك الحقيقية في التغيير، تفيد الترك، إذ لا بد أن يكتشف أنّ العلاقات الهادئة تمنحه شعوراً أعمق بالأمان والانتماء، أكثر من الشعور المؤقت بالمتعة الذي يحصل عليه عندما يبالغ في عرض مشكلة. وغالباً ما يتم ذلك من خلال العلاج النفسي باستكشاف جذور المشكلة لاختبار العلاقات الطبيعية والصحية.
يمكنك تدوين يومياتك لإدراكك لسلوكياتك التي تسعى لجذب الانتباه، ما يُساعدك على التغلّب عليها.
عزّز ثقتك بنفسك، فلدى الكثيرين، تنبع الحاجة الدائمة لأن يكونوا محطّ الأنظار من تدنّي تقدير الذات.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نبض