البيت البرتقالي شُيّد بالمحبة... جرح الذاكرة والأرض المفقودة
سارة بيضون
كانت الصور التي رأيناها لمنزل عائلتنا في الجنوب وقد صار ركاماً موجعةً إلى حدّ يصعب وصفه. هذا البيت المتواضع لم يكن مجرد سقف يؤوينا، بل كان عالماً كاملاً احتضن حياتنا وذكرياتنا. وعلى امتداد الحروب والأزمات وأزمنة الفرح، ظلّ ملاذنا الآمن، والمكان الذي منحنا شعوراً عميقاً بالأمان والحرية والانتماء إلى الأرض والبحر وجمال جنوب لبنان.
بين جدرانه نشأنا، نكتشف الطبيعة من حولنا، وننسج مغامرات الطفولة، ونملأ أركانه بالضحكات والحياة. ولم يكن هذا البيت مستودعاً للذكريات فحسب، بل كان جزءاً من تكويننا، وأسهم في صوغ شخصياتنا كما نحن اليوم أحرار الروح، صلبين في مواجهة المحن، ومتجذرين في حبّ الطبيعة والوطن.

قبل أن يعرفه الناس باسم البيت البرتقالي، كان بيت عائلتنا. وعلى مدى العقدين الماضيين، منحت قريبتي منى خليل هذا المكان حياة جديدة ورؤية مختلفة. بصفتها ناشطة بيئية ومدافعة عن السلاحف البحرية، كانت من أوائل من حوّلوا منزلهم العائلي إلى دار ضيافة تستقبل الزوار من أنحاء العالم. وهكذا أصبح البيت البرتقالي مساحة للقاء والتواصل، مع الطبيعة والبحر والجنوب والناس. ومن خلال شغف منى ورسالتها، تعرّف الضيوف إلى جمال هذه البقعة من لبنان، واكتشفوا هشاشة كنوزها الطبيعية، ولا سيما السلاحف البحرية التي كرّست سنوات طويلة لحمايتها.
جرح الذاكرة والأرض المفقودة
ما رآه كثيرون بيتاً بسيطاً، كنّا نراه نحن قصراً عامراً بالحكايات والدفء والفرح. ففي جنباته تعاقبت أجيال من الذكريات العائلية، ونشأت صداقات، وأُقيمت احتفالات، وعاش أهله وزوّاره لحظات من الأمان والطمأنينة في أوقات الشدّة. واليوم، وبينما يعتصرنا الألم لرؤية منى العزيزة مصابة، نودّع أيضاً خسارة كبيرة تركت جرحاً عميقاً في قلوبنا. ومع ذلك، يبقى الامتنان حاضراً لكل ما وهبنا إيّاه هذا البيت عبر السنين.

في أيار/مايو 2026، وفي موقف اختلط فيه الحبّ بالتحدّي، رفعت منى العلم اللبناني فوق البيت البرتقالي، رافضةً مغادرة المنصوري. واليوم، وبين الأنقاض والدمار، يظهر العلم في الصور التي وصلتنا ما زال مرفوعاً في مكانه، كأنّه شهادة حيّة على الصمود والانتماء، وعلى محبة هذه الأرض التي لا تهزمها الحروب ولا يمحوها الخراب.
قد تهدم الجدران وتسقط الحجارة، لكن أحداً لن يستطيع انتزاع الذكريات التي وُلدت هنا، ولا القيم التي حملها هذا المكان، ولا المحبة والروح التي سكنت أركانه. فـالبيت البرتقالي لا يزال حياً فينا، وفي كلّ إنسان مرّ به وتأثر به، وفي تلك العلاقة العميقة التي نسجها بين البشر والطبيعة والمجتمع.

لقد شُيّد هذا البيت بالمحبة، وما زالت تلك المحبة باقية. ولهذا نؤمن، رغم الألم، بأن هذه ليست نهاية الحكاية. فهناك دائماً فصل آخر ينتظر أن يُكتب، وسيأتي يوم ينهض فيه "البيت البرتقالي" من جديد ليبدأ فصله الثاني.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان
نبض