النقرشة بعد الشبع... عادة أم إشارة من الدماغ؟
طعم النقرشات أحياناً ألذّ من الوجبات، ليس لنكهتها، بل للشعور المعنوي الذي توفّره. من منّا لم يأكل هذه النقرشات يوماً رغم شعوره بعدم الجوع، لكن هناك شيء في دماغ الشخص يقول له "حرّك فكّك".
تشير دراسة " Devaluation insensitivity of event related potentials associated with food cues"، إلى أنّ سبب تناول الوجبات الخفيفة باستمرار قد يعود إلى كيفية استجابة الدماغ للوجبات الخفيفة، سواءً كنت تشعر بالجوع أم لا. فالناس يعيشون اليوم في بيئة يتعرّضون فيها لوابل من الإشارات التي تدل على توافر طعام لذيذ قريب سيمنحهم السعادة موقتاً، وقد يستجيب الدماغ لهذا التعرض المستمر بتكوين عاداتٍ تدفعهم الى تناول الطعام حتى عندما لا يشعرون بالجوع.

لماذا نفرط في النقرشة؟
تناول الوجبات الخفيفة بشكل متواصل خلال اليوم رغم الشعور بالشبع، ليس نابعاً من شعور بالجوع، على ما توضح اختصاصية التغذية والأستاذة المحاضرة في جامعة الروح القدس- الكسليك، الدكتورة جويس زلاقط في حديث إلى "النهار".
ويجب أن نميّز بين حالات عدة في هذا الإطار، إذ غالباً ما يكون هذا السلوك مبنياً على الرغبة في إشباع الشعور باللذة (Pleasure)، فالأكل يعطي أحياناً شعوراً باللذة والتسلية، خصوصاً عندما يكون الشخص منشغلاً، أثناء العمل، أو أثناء استخدام الهاتف بشكل عشوائي.
وهناك أشخاص يتبعون هذا السلوك لتخفيف التوتر (Stress)، وهنا يصبح الأكل نوعاً من السلوك التلقائي، كقضم الأظافر أو الأكل من دون وعي أثناء مشاهدة شيء ما، وندخل حينها في ما تُسمّى "حلقة العادة" (Habit loop)، بحيث يصبح السلوك تلقائياً: الشخص لا يشعر بالجوع الحقيقي، بل يجد نفسه يأكل فقط لأنه اعتاد ذلك، أو لأنه لا يملك نشاطاً آخر في تلك اللحظة. والأساس في هذا السلوك هو الشعور المكافأة (Reward). لذا، تؤكّد أنّ لا بد من البحث عن وسائل أخرى للحصول على المتعة وكسر هذه الحلقة.
كيف نكسر هذه الحلقة؟
تفيد زلاقط أنّ من المهم أن يسأل الشخص نفسه: "هل أنا آكل لأنني جائع جسدياً؟ أم لأنني أشعر بالملل؟ أم لأنني أتابع شيئاً؟ أم لأنني متوتر؟". فإذا كانت الحاجة هي التسلية أو المتعة، فيمكن استبدالها بأنشطة أخرى تساعد على كسر الحلقة الذهنية وإشغال الدماغ بطريقة مختلفة، مثل:
- مضغ العلكة.
- شرب القهوة أو الشاي أو المياه الغازية.
- الخروج في نزهة قصيرة.
- الرقص أو الاستماع إلى الموسيقى.
- القيام بأي نشاط بسيط يغيّر الحالة النفسية.
- أخذ استراحة قصيرة لإراحة الدماغ عبر أنشطة مثل القراءة، لعب الألغاز (Puzzle)، أو الكتابة وتفريغ الأفكار (Journaling).
- ممارسة تمارين التمدد (Stretching).
- الاتصال بشخص ما والتحدّث معه.
وتنصح زلاقط أيضاً باتباع تقنيات مفيدة أخرى أيضاً مثل:
- "بعيداً عن العين، بعيداً عن القلب"، أي عدم إبقاء الأطعمة المغرية في متناول اليد أو في المنزل بشكل دائم. لأن قوة الإرادة وحدها لا تكفي دائماً، بل إن البيئة المحيطة تلعب دوراً أساسياً في السلوك.
- تجنّب شراء الحلويات أو الوجبات الخفيفة وإبقائها دائماً في المنزل.
- اعتمد ما تُسمّى "مناطق الأكل" (Eating Zones)، أي خصّص أماكن معينة للأكل مثل طاولة الطعام فقط، وعدم الأكل على الأريكة أو في السرير، لتقوية العلاقة الذهنية بين الأكل والوعي وليس التلقائية.
- أخّر الرغبة في تناول الوجبة الخفيفة، فعندما يشعر الشخص برغبة في تناول شيء مثل رقائق البطاطس، يمكنه الانتظار لمدة 15 دقيقة قبل تناولها. خلال هذه الفترة قد يختفي الشعور بالرغبة أو يقلّ بشكل كبير، ويمكن استغلال الوقت في شرب الماء أو المشي أو القيام بنشاط آخر.

قد تكون المشكلة غذائية!
كما أن كثرة تناول الوجبات الخفيفة قد تدل أحياناً، وفق زلاقط، على أنّ النظام الغذائي الأساسي غير متوازن، أي أنّ الشخص لا يحصل على احتياجاته من البروتين أو الألياف أو الدهون الصحية، ما يجعله يشعر بالجوع أو الرغبة المستمرة في الأكل.
لذلك من المهم تناول أطعمة غنية بالبروتين مثل اللبن والبيض والجبن واللحوم، وأطعمة غنية بالألياف مثل الخضر، لأنها تساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول.
ومن المفيد تنظيم أوقات الأكل، بحيث تكون هناك فترات محددة مثل: الفطور، الغداء، والعشاء، مع وجبة خفيفة واحدة بين الوجبات عند الحاجة، بدلاً من الأكل العشوائي طوال اليوم.
بهذه الطريقة، يتم تقليل الاعتماد على الأكل كوسيلة مستمرة للحصول على المتعة، وإعادة تنظيم العلاقة مع الطعام بشكل صحي ومتوازن، من خلال التحكم بـ"دورة الدوبامين" المرتبطة بالمكافأة والمتعة.
وفي النهاية، من الأفضل تجربة هذه التقنيات تدريجاً، وعدم تطبيقها كلها دفعة واحدة، واعتماد أسلوب التدرج للوصول إلى تغيير مستدام في السلوك.
نبض