من السخرية إلى الضحك العفوي… علم النفس يقرأ شخصيتك من فكاهتك
مَن منّا لا يلقي "نكتة"، أو لا يبحث عن الفكاهة التي تلطّف الأجواء في مختلف أنواع العلاقات. لكن هل تعلم أنّ علم النفس قسّم الفكاهة إلى أنواع تعكس شخصية قائليها؟
الفكاهة هي أحد أنواع الآليات الدفاعية النفسية، لكن أهداف النكات تختلف كثيراً بحسب الشخص والموقف، يقول المعالج النفسي والمستشار لدى منظمة "أطباء بلا حدود"، الدكتور ماريو عبود، في حديث إلى "النهار".
وفيما يقسّم علم النفس الفكاهة إلى أربع أنماط، فإنّ الفكاهة تكشف جوانب من شخصيتك، وتوضح طريقة تفكيرك وعلاقاتك الاجتماعية، لكن قد لا ينتمي الفرد بشكل كامل إلى نمط واحد فقط.

- الفكاهة التقاربية أو الاجتماعية (Affiliative Humor)
تهدف إلى تقوية الروابط بين الناس، ويعتمد أصحاب هذا الأسلوب على القصص الطريفة والمواقف المرحة التي تجعل الآخرين يشعرون بالراحة والاندماج، من دون السخرية من أحد أو إيذاء مشاعره.
وغالباً ما يستخدم هذا النوع من الفكاهة لكسر الجليد، وتخفيف التوتر، وخلق أجواء إيجابية داخل المجموعات والعلاقات، بحسب عبود. ويُعتبر من أكثر أنماط الفكاهة صحة وفائدة من الناحية النفسية والاجتماعية. فالفكاهة بحد ذاتها تُعد مهارة اجتماعية، يقول عبود، إذ تتطلب الذكاء الاجتماعي والقدرة على قراءة الأجواء وفهم ما يناسب الموقف.
وغالباً ما تعكس هذه الفكاهة شخصاً يتميز بـ: الانفتاح على الآخرين، الرغبة في بناء علاقات إيجابية، التعاطف ومراعاة مشاعر الناس، الثقة بالنفس المستقرة التي لا تحتاج إلى إثبات ذاتها عبر السخرية من الآخرين، القدرة على تخفيف التوتر وخلق أجواء مريحة داخل المجموعة، المرونة النفسية والقدرة على التعامل مع المواقف الاجتماعية بسلاسة. فالشخص الذي يستخدم الفكاهة التقاربية لا يكون هدفه أن يكون "الأكثر إضحاكاً" في المكان، بل أن يجعل الجميع يشعرون بالارتياح والانتماء.

- الفكاهة المعززة للذات (Self-Enhancing Humor)
تبرز في قدرة الشخص على الحفاظ على نظرة متفائلة بإيجاد الجانب المضحك في المواقف الصعبة أو الضاغطة. ويُعد هذا النوع من الفكاهة وسيلة صحية للتكيّف مع التحديات والضغوط النفسية. ويرتبط عادةً بنمط شخصية لديها قوة نفسية داخلية تميل إلى: التفاؤل والمرونة النفسية، الاستقلالية الداخلية بحيث لا تعتمد على الآخرين لتشعر بالراحة النفسية، بل تجد توازنها من داخلها، إدارة جيدة للتوتر إذ تستخدم الفكاهة كطريقة لتخفيف الضغط النفسي بدل الانهيار أو القلق، وعي ذاتي مرتفع، ثقة بالنفس هادئة، وتستخدم المزاح كوسيلة لحماية نفسه نفسياً من الإحباط أو القلق، وليس لإضحاك الآخرين فقط.

- الفكاهة العدوانية (Aggressive Humor)
تعتمد على السخرية، التهكم، التنمّر، المزاح على حساب الآخرين. وقد تتضمن تعليقات تقلل من شأن شخص ما أو تجرح مشاعره، حتى وإن قُدّمت على أنها مزحة، إذ غالباً ما يكون المزح بالتنمّر في منطقة رمادية، بحسب عبود. فالتنمر يرتبط بما يُعرف بـ"الإسقاط النفسي"، وهذا أيضاً نوع من آليات التكيّف النفسي. فبدلاً من مواجهة مشكلتي، أسقطها على الآخر على مزاح أو نكتة ليكون السلوك مقبولاً اجتماعياً.
وتعكس هذه الفكاهة سمات نفسية، أهمهّا: الحاجة لإثبات التفوق على الآخرين، ضعف في التعاطف أحياناً، اندفاع أو صراحة زائدة، تحويل التفاعل الاجتماعي إلى نوع من المنافسة أو إثبات الذات، إخفاء شعور داخلي بعدم الأمان أو الحساسية.

- الفكاهة الانهزامية أو الموجهة ضد الذات (Self-Defeating Humor)
يركّز هذا النوع على جعل الشخص نفسه موضوعاً للسخرية أو المزاح بهدف كسب قبول الآخرين أو تخفيف التوتر في المواقف الاجتماعية. وفي بعض الأحيان، قد يخفي هذا الأسلوب مشاعر أعمق تتعلق بانخفاض تقدير الذات أو الشعور بعدم الأمان. فعندما يسخر الإنسان من نفسه قبل أن يفعل الآخرون ذلك، فهو بطريقة ما يتملّك الموضوع ويضعه تحت سيطرته، يورد عبود، وكأن هذا الشخص يقول: "أنا أعترف بهذا الأمر وأمزح بشأنه قبل أن يستخدمه أحد ضدي". ففي كثير من الأحيان، قد تعرّض هذا الشخص سابقاً للتنمر أو لضغوط معينة، فتعلّم أن يقلب المعادلة. وهذا السلوك هو آلية دفاعية تساعد الشخص على بناء نوع من الحصانة النفسية تجاه التنمر أو الانتقاد.
وتعكس هذه الفكاهة عدة سمات نفسية، مثل تقدير ذات منخفض، حاجة قوية للقبول والإرضاء حتى لو كان ذلك على حساب الصورة الذاتية، تجنّب الصراع أو الرفض، الاهتمام كثيراً بما يظنه الناس. وقد يصبح هذا السلوك غير صحي إذا كان الشخص يقلّل من نفسه باستمرار.
نبض