كسوة الكعبة… تاريخ يمتد عبر العصور وصناعة تُحاك بالحرير والذهب

ثقافة 26-05-2026 | 09:46

كسوة الكعبة… تاريخ يمتد عبر العصور وصناعة تُحاك بالحرير والذهب

تُطرّز الآيات القرآنية بخيوط الذهب والفضة في عمل يستغرق وقتاً وجهداً كبيرين من الحرفيين المتخصصين.
كسوة الكعبة… تاريخ يمتد عبر العصور وصناعة تُحاك بالحرير والذهب
باب الكعبة (أ ف ب).
Smaller Bigger

تتجه أنظار ملايين المسلمين نحو الكعبة في كل عام، ليس فقط لمتابعة موسم الحج، بل أيضاً ترقباً للحظة استبدال كسوتها، ذلك الثوب الأسود المطرّز بخيوط الذهب والفضة، والذي يُعد أحد أبرز الرموز الروحانية والبصرية في العالم الإسلامي. وبين خيوط الحرير، والآيات المطرزة، والحرفيين الذين يعملون بصمت خلف الجدران، تختبئ حكاية تمتد عبر قرون طويلة من التاريخ الإسلامي.

تُستبدل كسوة الكعبة مرة واحدة سنوياً، في مراسم خاصة ترتبط بأجواء روحانية مهيبة داخل المسجد الحرام. وقبل موعد التبديل، تبدأ الفرق المختصة بتجهيز الثوب الجديد وفك أجزاء الكسوة القديمة بعناية شديدة، تمهيداً لإلباس الكعبة حلتها الجديدة.

 

مشهد للكعبة في الحرم المكي (أ ف ب).
مشهد للكعبة في الحرم المكي (أ ف ب).

 

ورغم أن شكل الكسوة يبدو ثابتاً للعين، فإن كل ثوب يُصنع خصوصاً لذلك العام، بخيوط جديدة وتطريز متقن، ليبقى هذا التقليد واحداً من أبرز المشاهد المرتبطة بالعناية بالكعبة.

 حكاية بدأت قبل الإسلام

يمتد تاريخ كسوة الكعبة إلى ما قبل الإسلام بقرون، إذ تذكر الروايات أن عدنان بن إد، الجد الأعلى للنبي محمد، كان من أوائل من كسوها، فيما تشير روايات أخرى إلى أن تبع الحميري، ملك اليمن، كان أول من كسا الكعبة في الجاهلية، كما صنع لها باباً ومفتاحاً بعد زيارته مكة.

ومع مرور الزمن، توالت القبائل العربية على كسوتها، حتى جاء قصي بن كلاب، الجد الرابع للرسول، فنظّم أمر الكسوة بين قبائل قريش. ثم برز التاجر القرشي أبو ربيعة المخزومي، الذي تكفل بكسوتها عاماً كاملاً من ماله الخاص، لتتناوب قريش بعده على هذا الشرف.

 

مشهد للكعبة في الحرم المكي (أ ف ب).
مشهد للكعبة في الحرم المكي (أ ف ب).

 

ومع قيام الدول الإسلامية، تطورت الكسوة تطوراً كبيراً من حيث الخامات والزخارف والكتابات. ففي العصر الأموي، كانت الكعبة تُكسى مرتين في العام، بينما شهد العصر العباسي ظهور الكتابات المطرزة على الكسوة، حيث اعتاد الخلفاء تدوين أسمائهم وتاريخ صناعتها عليها.

ولقرون طويلة، تولّت مصر صناعة الكسوة، واشتهرت بحياكة الثوب الأسود المطرّز بخيوط الذهب والفضة، قبل أن تنتقل هذه المهمة بالكامل إلى المملكة العربية السعودية.

أما أول كسوة في العهد السعودي الأول، فكانت في زمن الإمام سعود بن عبد العزيز عام 1221هـ/1806م، حين كسا الكعبة بالخز الأحمر، قبل أن يصبح اللون الأسود هو اللون المعتمد. وفي عام 1927م، أمر الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود بصناعة أول كسوة سعودية كاملة داخل مكة، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ هذا الثوب المهيب.

 

 

داخل مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة

في مكة، يقف مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة بوصفه إحدى أكبر المنشآت المتخصصة في حياكة الحرير والتطريز في العالم الإسلامي. ومن داخل هذا المجمع، تُصنع الكسوة سنوياً عبر مراحل دقيقة يشرف عليها نحو 200 فني وإداري وحرفي متخصص.

بدأت رحلة المملكة مع صناعة الكسوة منذ عهد الملك عبد العزيز، عبر دار خاصة أُنشئت في مكة، قبل انتقال العمل لاحقاً إلى مصنع كسوة الكعبة في حي أم الجود عام 1977م. ومع تطور التقنيات، شهد المجمع تحديثات واسعة في الأنظمة الإلكترونية والمعدات الميكانيكية، ليصبح مركزاً يجمع بين الحرفة التقليدية والتقنيات الحديثة.

ويضم المجمع أقساماً متعددة تشمل المصبغة، والنسيج الآلي، والنسيج اليدوي، والطباعة، والحزام، والمذهبات، والخياطة، وتجميع الكسوة، في منظومة متكاملة تُنجز هذا الثوب الاستثنائي كل عام.

 

ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين يزورون مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة في مكة المكرمة (إكس).
ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين يزورون مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة في مكة المكرمة (إكس).

 

من الحرير الإيطالي إلى أغلى ثوب في العالم

تبدأ صناعة الكسوة باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي المستورد خصوصاً من إيطاليا، حيث يُفحص بدقة قبل صباغته باللون الأسود، اللون الذي ارتبط تاريخياً بكسوة الكعبة وأصبح جزءاً من هويتها البصرية.

بعد ذلك، ينتقل الحرير إلى مرحلتي النسيج الآلي واليدوي، حيث تُحاك قطع القماش الضخمة على أنوال مبرمجة بدقة، قبل أن تبدأ مرحلة الطباعة باستخدام تقنية "السلك سكرين"، لنقل الآيات والزخارف الإسلامية إلى القماش.

ثم تأتي المرحلة الأكثر دقة، وهي التطريز اليدوي، حيث تُطرّز الآيات القرآنية بخيوط الذهب والفضة في عمل يستغرق وقتاً وجهداً كبيرين من الحرفيين المتخصصين من الجنسية السعودية.

وتُستهلك في صناعة الكسوة سنوياً نحو 670 كيلوغراماً من الحرير الطبيعي، إضافة إلى 120 كيلوغراماً من الذهب والفضة، فيما تتجاوز تكلفتها 25 مليون ريال سعودي، ما يجعلها أغلى ثوب في العالم، ليس فقط لقيمة مواده، بل أيضاً لمكانته الدينية والرمزية.

 

أيدٍ تلامس كسوة الكعبة، فيما تظهر الزخارف والآيات المنسوجة بخيوط دقيقة على الحرير الأسود (أ ف ب).
أيدٍ تلامس كسوة الكعبة، فيما تظهر الزخارف والآيات المنسوجة بخيوط دقيقة على الحرير الأسود (أ ف ب).

 

الخط العربي… حين تتحول الآيات إلى فن

لا تُعد كسوة الكعبة مجرد ثوب، بل لوحة فنية إسلامية تتجلى فيها روعة الخط العربي والزخارف الدقيقة. وتبرز الآيات القرآنية المطرزة بخيوط الذهب والفضة بوصفها العنصر الأهم في تصميم الكسوة، حيث تتوزع بتناغم على الحزام وستارة باب الكعبة وأجزاء الثوب المختلفة.

ويُستخدم "خط الثلث" أساساً في تطريز الكسوة، لما يتميز به من فخامة وانسيابية وقدرة على إبراز جمال الحروف العربية، فيما تمر الكتابات بمراحل تصميم وطباعة وتطريز متخصصة للحفاظ على الهوية الفنية المميزة للكسوة.

 

ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين يزورون مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة في مكة المكرمة (إكس).
ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين يزورون مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة في مكة المكرمة (إكس).

 

أين تذهب الكسوة القديمة؟

بعد استبدال الكسوة، تبدأ رحلة أخرى للثوب القديم. إذ تُفكك الكسوة بعناية، ثم تُحفظ وفق إجراءات خاصة تراعي قيمتها التاريخية والدينية، بما يمنع تعرضها للتلف أو التفاعلات الكيميائية.

وفي بعض الحالات، تُهدى أجزاء من الكسوة القديمة إلى متاحف أو شخصيات وجهات رسمية، وفق إجراءات معتمدة وموافقات خاصة، لتبقى هذه القطع شاهدة على واحد من أكثر الرموز قدسية في العالم الإسلامي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
اقتصاد وأعمال 5/25/2026 7:07:00 AM
بموجب التوجه المطروح، فإن المستفيد الذي يتقاضى ألف دولار شهريا ضمن التعميم 158 سيستمر بالحصول على المبلغ نفسه لمدة سنة إضافية تبدأ اعتبارا من تموز 2026 وتمتد حتى تموز 2027
لبنان 5/25/2026 12:00:00 AM
نقلت مراسلة "النهار" في باريس عن مصادر رفيعة متابعة للملف اللبناني في العاصمة الفرنسية، أن الاتفاق الأميركي الإيراني إذا أُبرم سيكون على حساب لبنان بالنسبة إلى نزع سلاح "حزب الله"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...