من الملاجئ إلى "يوتيوب"... التريكو يجمع الجدّة والحفيدة من جديد (صور)
في زمن السرعة والضجيج الرقمي، تعود حياكة الصوف، أو ما يُعرف شعبياً بـ"التريكو"، كعادة قديمة لتستعيد مكانتها، ليس فقط كهواية منزلية، بل كوسيلة فعّالة لتحسين الصحة النفسية وتنشيط الذهن.
خلال زيارتي للستّ مهى وحفيدتها، كان لنا وقت ممتع، تبادلنا فيه الحديث عن التريكو، وشاركنا الحياكة معاً، ليتّضح لي أنّه بين جيل الجدّات وجيل الشباب، تبقى الخيوط نفسها، لكن المعاني تتجدّد.
التريكو: "كلّ قطبة بمحبة"
بالنسبة إلى الستّ مهى، لم تكن حياكة الصوف مجرّد تمضية وقت، بل رفيقة عمر. تروي أنّ الطبيب نصحها بالانشغال بأعمال يدوية تساعدها على التركيز وتحافظ على صفاء الذهن، فوجدت في التريكو المساحة المثالية لذلك. تقول إنّ هذه الحرفة منحتها حالة من الوعي والتركيز لا مثيل لها، إذ يحتاج كل تصميم إلى انتباه ودقة وصبر.

وبين الخيط والسنارة، صنعت عشرات القطع التي تعتزّ بها، مردّدة عبارتها المحببة: "كلّ قطبة بمحبة".
التريكو في الحرب... مساحة للألفة
وسط الخوف تعود ذاكرة الستّ مهى إلى بدايات الحرب اللبنانية عام 1975، حين كانت النساء يجتمعن في الملاجئ، يحملن الصوف والسنارة كما يحملن الصبر والأمل. هناك، لم تكن الحياكة مجرد عمل يدوي، بل مساحة للتضامن والمشاركة. تتبادل النساء الخيوط والتصاميم والخبرات، ويخلقن وسط القلق والخوف لحظات من الألفة تخفّف من وطأة الأخبار وأصوات الحرب. كان التريكو، يومها، ملاذاً نفسياً جماعياً في آن.

التريكو موهبة تنتقل عبر الأجيال
لم تبقَ هذه الحرفة حكراً على جيل الجدّة، بل انتقلت إلى الحفيدة مهى، التي تعلّمت أساسياتها من جدّتها. وتوضح بأنّ هذه الهواية ليست سهلة مثلما يظن البعض، إذ تعتمد على العدّ والتركيز منذ البداية وحتى النهاية، ما يجعلها تدريباً ذهنياً متكاملاً.
لكن الجيل الجديد أضاف لمساته الخاصة. فإلى جانب ما تعلّمته من جدّتها، استعانت مهى بتطبيقات ومنصات مثل "يوتيوب" لتطوير تقنيات حديثة، كما تستخدم عدّاداً يساعدها على تنفيذ الغرز بدقة أكبر.

التريكو علاج القلق لدى جيل زد
تؤكّد مهى الحفيدة من جيل زد أنّ إتقانها للحياكة اليدوية ساعدها على التخلّص من عادة قضم الأظافر المرتبطة بالتوتر والقلق. فحين تنشغل اليدان بعمل منتج وهادئ، يجد العقل فرصة للهدوء والتنظيم.
وتلفت الحفيدة إلى أنّ هذه العادات الإيجابية تمنحها شعوراً بالإنجاز، خصوصاً حين تتحوّل الخيوط إلى قطع جميلة تهديها لأصدقائها أو تصنعها لحيواناتهم الأليفة.

التريكو أكثر من حرفة ...
ما بين الستّ مهى وحفيدتها، لا تبدو حياكة الصوف مجرّد حرفة تقليدية، بل لغة مشتركة تجمع جيلين مختلفين. فالجدّة تنقل الخبرة والصبر، والحفيدة تضيف التكنولوجيا والابتكار. هكذا يثبت "التريكو" أنّ بعض العادات لا تشيخ، بل تتجدّد مع الزمن، لتبقى خيطاً يصل الماضي بالحاضر، ووسيلة بسيطة تعيد للإنسان هدوءه وتركيزه في عالم مزدحم.
نبض