نستخدم أكثر… لكننا لسنا أكثر سعادة: كيف خدعتنا السوشال ميديا؟
رغم أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد من الأكثر استخداماً لوسائل التواصل الاجتماعي عالمياً، حيث يمضي كثيرون أكثر من خمس ساعات يومياً على هذه المنصّات، لا ينعكس هذا الحضور الكثيف سعادة أو شعوراً أعلى بالرضى. هذه المفارقة تفتح الباب أمام تساؤل نفسي ملحّ: هل أصبح استخدامنا للسوشال ميديا سبباً إضافياً للتعاسة بدل أن يكون مصدراً للرفاه؟

المقارنة الدائمة... حين تصبح الصورة معياراً للحياة
في حديثها لـ"النهار"، تضع المعالجة النفسية ماري-أنج نهرا الإصبع على جوهر المشكلة، مشيرة إلى أن المنصات الرقمية عزّزت ثقافة المقارنة بشكل غير مسبوق. وتقول: "أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سبباً إضافياً لتعاسة الإنسان، بدل أن تكون مصدراً لسعادته، لأننا نقارن أنفسنا باستمرار، ونحكم على أشياء ليست بالضرورة واقعية. هذه المنصّات تتيح لنا أن نُمثّل بعضنا على بعض، بينما يتلقّى المشاهد محتوى ومعلومات قد لا تكون حقيقية، فيتأثّر بها ويقارن واقعه بها، وفي هذه المقارنة سيشعر دائماً بأنه خاسر، لأن ما يراه يبدو أجمل".

وتشرح أن هذه المقارنة لا تنبع فقط من المحتوى، بل من طبيعة الإنسان نفسه، إذ "يميل الإنسان إلى الإعجاب بما لا يمتلكه. فإن كان لديه شيء ورأى ما هو أفضل منه عند الآخرين، فسيبدو له الآخر أجمل، فقط لأنه ليس ملكه. وحتى إذا حصل عليه لاحقاً، فقد يفقد قيمته بالنسبة إليه". وتضيف أن هذا ما يحدث تحديداً على السوشال ميديا، حيث "نرى عروض الزواج الجميلة، والعلاقات المثالية، والأطفال المثاليين، فنعتقد أن هذه هي الحياة الحقيقية، بينما ما نشاهده هو مجرد منتج، صورة مصطنعة أو حقيقية في لحظة معينة، لكنها ليست دائمة. ومع ذلك، نعاملها كأنها معيار ثابت".
ضغط مثالي... وقلق يتصاعد لدى الفتيات
هذا النمط من الاستهلاك لا يمرّ من دون ثمن نفسي. فبحسب المعالجة النفسية نهرا، فإن القلق الناتج عن التعرّض الطويل لهذا المحتوى بات واضحاً، لا سيما لدى الفتيات. وتوضح: "القلق الناتج عن ساعات طويلة من متابعة السوشال ميديا يظهر أكثر لدى الفتيات، لأنهن أكثر حساسية وتأثراً بالمحتوى الذي يشاهدنه، وهذا أمر مثبت علمياً، خصوصاً في ما يتعلق بالتأثر بالإعلانات".
ولا يتوقف التأثير عند حدود القلق، بل يمتد إلى تشكيل صورة غير واقعية عن الحياة. وتلفت إلى أنه "حتى عند مشاهدة المسلسلات أو الأفلام، قد نقتنع بأن هذا هو الواقع، فنتماثل مع الشخصيات ونحاول أن نشبهها، ونبدأ بتغيير أنفسنا، رغم أننا مختلفون في الأساس. هذا الأمر يولّد شعوراً بالنقص، وقد يقود إلى الاكتئاب".

وتزداد هذه الضغوط في ظل الأدوار المتعددة المفروضة على المرأة اليوم، تقول نهرا: "أصبح مطلوباً من الفتاة أن تكون جميلة، وناجحة، ومربية صالحة، وأمّاً مثالية، وشريكة كاملة في الوقت نفسه. هذه الأدوار مجتمعة لا يستطيع أيّ إنسان تحمّلها وحده. لكن عندما نرى على السوشال ميديا صوراً مركّبة ومُنقّحة، نعتقد أن هذا هو الواقع، فنشعر بأننا أقل من هذا النموذج لأننا لا نعيش هذا المستوى من النجاح أو الجمال أو نمط الحياة".
وتحذّر من أن هذه المقارنة لا تحفّز بالضرورة على التطوّر، بل قد تتحوّل إلى عائق نفسي، موضحة أن "ما يُعرض على السوشال ميديا يفتقر غالباً إلى العمق والشمولية، ويؤثر في اتجاه واحد، خصوصاً لدى المراهقين. في هذه المرحلة، يبحثون عن قدوات خارج إطار العائلة، فيتأثّرون بأشخاص قد يعانون من اضطرابات أو نقص لا يظهر على الشاشة، ما يدفعهم إلى ملاحقة أوهام بدل واقع".

تكشف هذه القراءة النفسية أن المشكلة ليست في حجم استخدام السوشال ميديا، بل في طبيعته. فكلما زاد الانغماس في محتوى غير واقعي، تراجع الرضى وتحوّلت المقارنة إلى عبء يسرق السعادة. وبين واقع معقّد وصورة مثالية، تبقى السعادة في فهم أن ما نراه ليس الحياة كاملة.
نبض