العمل عن بُعد: هل يزيد الإنتاجية أم يضعفها؟
مع اعتماد العمل عن بُعد بشكل أكبر لم تتغيّر مكاتبنا فحسب… بل تغيّر شكل يومنا بالكامل. لم يعد الصباح يبدأ بزحمة الطرق ولا ينتهي بتعب الطريق إلى المنزل. فجأة، صار المكتب أقرب مما نتخيّل: على طاولة المطبخ، أو في زاويةٍ هادئة من الغرفة.
ما بدأ كحلّ اضطراري، تحوّل بهدوء إلى أسلوب حياة. نموذج جديد يعيد تعريف العمل، لا كمساحة نذهب إليها، بل كشيء ننجزه أينما كنّا. بين الراحة والمرونة، وُلدت معادلة مختلفة… تمنحنا حرية أكبر، لكنها تضعنا أيضاً أمام اختبارٍ حقيقي: كيف نُدير وقتنا، وحدودنا، وأنفسنا؟
فكرة العمل عن بُعد ليست جديدة. يوضح مدير الموارد البشرية في مجموعة "النهار" الإعلامية، مروان جبور، أن هذا النمط كان معتمداً منذ سنوات في الخارج، إلا أن مجتمعاتنا بدأت بالتعرّف عليه بشكل أكثر مع أزمة كورونا. وقد ساهم في فتح المجال أمام فئات أوسع، وخصوصاً النساء، لدخول سوق العمل. ومع مرور الوقت، لم يعد حلًا موقتاً، بل تحوّل إلى نموذج عمل قائم في ذاته.
ورغم أن مجتمعاتنا لا تتقبّل التغيير بسرعة، فإن غياب البدائل فرض هذا التحوّل. لم يكن هناك خيار آخر، فكان لا بد من التكيّف. ويمكن القول إن الإجابة لم تكن واحدة أو حاسمة، بل حملت وجهين: من جهة، ساهم العمل عن بُعد في الوقاية من الفيروسات، ومن جهة أخرى، وفّر الوقت في التنقّل وخفّف من الاحتكاك اليومي داخل أماكن العمل.
في المقابل، وفقاً لجبور، ظهرت تحديات واضحة للعمل، إذ واجه بعض المديرين صعوبة في إمكانية مراقبة أداء الموظفين ، ما عزّز لدى البعض منهم فكرة "إن لم أرَه يعمل فهو لا يعمل" حتى إن بعض المديرين قالوا إن بالإمكان العمل بعدد أقل من الموظفين.
إلى جانب ذلك، برزت مشكلات نفسية وعائلية نتيجة البقاء الطويل في المنزل، إذ اختلطت الحدود بين الحياة الشخصية والمهنية. ولم يعد هناك وقت عمل محدد كما في السابق، بل تحوّل إلى وقت عمل ممتد، ما زاد من الضغط على الموظفين. وهذا قد يولّد ما يسمى بـ"الاحتراق الوظيفي"، فهو غالباً ما ينتج من ضغط العمل المتزايد، وعدم مراعاة ظروف الموظف وقدرته على التحمّل. وفي بعض الحالات، يستغلّ بعض المديرين هذا النمط لزيادة المهام الوظيفية، متجاهلين ما يُعرف بقانون "تراجع المردود"، بحيث يؤدّي الإفراط في العمل إلى نتائج عكسية.
أما اليوم، فيحاول بعض الشركات إعادة الموظفين إلى المكاتب، لأنها ترى أن العمل منها أكثر تنظيماً وإنتاجية. وبين هذا وذاك، ظهر نوع جديد من العاملين، يعملون من أي مكان، ويتنقّلون بين مدن ودول من دون التزام موقعٍ ثابت.
لكن جبور يؤكد أن الإنتاجية في العمل عن بعد، تختلف من شخص إلى آخر، تبعاً لقدرته على التنظيم والانضباط الشخصي، فنجاح هذا النموذج يعتمد على العلاقة بين الإدارة والموظف، والثقة بين الطرفين.
في النهاية، ينجح العمل عن بُعد في بعض القطاعات أكثر من سواها، ولاسيما منها تلك التي يمكن إنجازها عبر الإنترنت. أما القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على التفاعل المباشر، مثل الخدمات أو الصناعة، فلا بد من حضور موظفيها الفعلي.
نبض