لماذا يبحث الناس عن الهدوء أكثر من أي وقت مضى؟
في عالمٍ يتسارع بوتيرةٍ غير مسبوقة، يتجه عدد متزايد من الناس إلى البحث عن الهدوء واعتماد أنماط حياةٍ أكثر توازناً، في ما يُعرف عالمياً بفلسفة العيش البطيء (Slow Living).
فمع الضغوط المتزايدة للحياة الحديثة، والتدفق المستمر للأخبار والمعلومات، وثقافة الإنتاجية التي تفرض إيقاعاً سريعاً على الحياة اليومية، بات كثيرون يشعرون بالحاجة إلى التخفيف من هذا التسارع والعودة إلى إيقاعٍ أكثر هدوءاً يمنح مساحةً أكبر للراحة النفسية والتوازن الداخلي.
هذا التحوّل لا يقتصر على المجتمعات الغربية أو على اتجاهات نمط الحياة الجديدة فحسب، بل ينسحب أيضاً على مجتمعاتٍ تعيش ضغوطاً متراكمة وأزماتٍ متتالية. وفي لبنان تحديداً، حيث تراكمت خلال السنوات الأخيرة أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية تركت آثاراً عميقة على حياة الناس، يبرز هذا البحث المتزايد عن الهدوء كحاجةٍ نفسيةٍ ملحّةٍ لدى كثيرين. فما الذي يدفع اللبنانيين اليوم إلى البحث عن الهدوء أكثر من أي وقت مضى؟

في هذا السياق، توضح الإختصاصية النفسية أليسا رشدان أن البحث المتزايد عن الهدوء لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بتجارب ضاغطة ومتراكمة عاشها اللبنانيون خلال السنوات الماضية. وتشير إلى أن اللبنانيين تعرضوا لضغطٍ كبيرٍ نتيجة ظروفٍ متعددة، بينها الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة، إضافةً إلى التوترات السياسية والاجتماعية، ما خلق حالةً عامة من عدم الاستقرار في المجتمع.
وتضيف أن هذا الواقع يدفع الناس إلى البحث بشكلٍ أكبر عن الهدوء، في محاولةٍ لاستعادة نوعٍ من التوازن بين العقل والنفس والجسم. فالكثيرون يعيشون حالة من التوتر المستمر، الأمر الذي يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهبٍ دائمة، ما يدفع الإنسان إلى السعي للعودة إلى الهدوء الداخلي والشعور بالحاجة إليه أكثر من أي وقتٍ مضى.
ولا يقتصر الأمر على الضغوط اليومية فحسب، إذ تلفت إلى أن التعرض المتكرر للأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو التلفزيون يزيد من مستوى القلق لدى الناس، خصوصاً في ظل الحوادث المقلقة التي تتكرر باستمرار. وتوضح أن المجتمع مرّ بأوقاتٍ صعبةٍ ومتراكمة، وأن هذه التجارب لم تكن فرديةً بل جماعية، بل إن المجتمع بأكمله عاش صدماتٍ مشتركة.
وترى أن هذا التعرض المتواصل للأخبار والأحداث يؤدي إلى ارتفاع مستوى القلق لدى الأفراد، وكلما ارتفع القلق ازدادت الحاجة إلى الهدوء لاستعادة التوازن النفسي. وفي ظل هذا الواقع، يصبح البحث عن مساحاتٍ من السكينة والابتعاد الموقّت عن الضجيج جزءاً من آليات التكيف مع الضغوط.

من هنا يبرز الاهتمام المتزايد عالمياً بمفهوم العيش البطيء، وهو أسلوب حياة يدعو إلى تقليل الضجيج في الحياة اليومية، والتركيز على اللحظة الحاضرة بدلاً من الركض الدائم خلف المهمات، وإعطاء قيمةٍ أكبر للوقت والعلاقات والراحة النفسية. فالفكرة الأساسية في هذه الفلسفة هي أن يعيش الإنسان بجودةٍ أعلى، لا بسرعةٍ أكبر.
وتختم رشدان بالإشارة إلى أن الوعي بالصحة النفسية أصبح أكبر مع مرور السنوات، إذ بات الناس يدركون أهمية العناية بأنفسهم، ليس من خلال الاهتمام بالجسد والغذاء فحسب، بل أيضاً عبر الاهتمام بالصحة النفسية باعتبارها جزءاً أساسياً من التوازن العام للإنسان.
وبين الضغوط المتراكمة وتسارع الحياة الحديثة، يبدو أن البحث عن الهدوء لم يعد رفاهية، بل أصبح حاجةً نفسيةً ملحّة لدى كثيرين، ومحاولةً لاستعادة التوازن في عالم يزداد صخباً يوماً بعد يوم.
نبض