المرأة في زمن الحرب تخوض معركة نفسية بصمت
في زمن الحرب، تقف المرأة في قلب معركة لا تدور على الجبهات، حيث تُختبر فيها يومياً بصمت: محاولة حماية البيت وأطفالها من دوي الانفجارات، ومواجهة هاجس التعليم من بعد، وتنظيم أوقات الدراسة في ظل انقطاع الإنترنت أو الكهرباء، أو التكيف مع مكان جديد بعد النزوح. تحاول أن تجعل الحياة تبدو طبيعية لأطفالها، سواء في البيت الأصلي أم في الملجأ الموقت، بينما تواصل أداء عملها بكل مهنية. هذه المعركة النفسية اليومية لا تقلّ شجاعة عن الوجود في أي ساحة حرب؛ هي مواجهة للصمت والخوف والقلق، مع إصرار على استمرار الحياة رغم كل شيء.
فالأم التي بقيت في منزلها تحمي البيت من صخب الحرب، تخفّف وقع أصوات الانفجارات على أطفالها، وتزرع في عيونهم شيئاً من الطمأنينة، رغم أن قلبها مثقل بالقلق والخوف. هي تحاول أن تجعل الحياة تبدو طبيعية، حتى لو كان كل شيء حولها غير طبيعي.

أما الأم التي اضطُرت إلى النزوح، فتواجه تحدّيات مضاعفة: فقدت المكان الذي اعتادت أن يمنحها الأمان، وعليها الآن خلق مساحة موقتة، غالباً ضيّقة أو مكتظة، لتظلّ عائلتها في أمان نسبي. النزوح يعني مواجهة صعوبات جديدة: تأمين مأوى موقت، التعامل مع الضوضاء والازدحام، ومحاولة الحفاظ على استقرار نفسي للأطفال في ظروف غير مستقرة.
ومع كل هذه الضغوط، يضيف التعليم من بعد هاجساً جديداً إلى حياة الأم: متابعة الدروس، حلّ الواجبات، تنظيم أوقات الدراسة، والتأكّد من قدرة الأطفال على التعلم رغم انقطاع الإنترنت أو الكهرباء، أو التغيير المستمر في مكان الإقامة بعد النزوح. هذا الامتحان اليومي يجعل الأم تتحمّل أضعاف المسؤولية: مسؤولية حماية سلامة أولادها النفسية، ومسؤولية تعليمهم بفاعلية، سواء في البيت أم بعيداً عنه.

وسط هذه التحدّيات، لا تتوقف الحياة. العمل يستمر، والمسؤوليات تتضاعف. كثيرات من النساء يجدن أنفسهنّ في معادلة شديدة التعقيد: الحفاظ على استقرار البيت أو الملجأ، رعاية الأطفال، والاستمرار في أداء العمل على أكمل وجه.
في تجربتي، يتداخل كلّ شيء: البيت والعمل والأمومة والخوف. في الصباح، أكون أمّاً تحاول أن تصنع يوماً عادياً لأطفالها: تبتسم، تطمئن، وتخفي قلقها. بعدها، أتحوّل إلى صحافية تتابع الأخبار، وتكتب عن الحرب وتداعياتها، محاولة نقل الحقيقة بموضوعية، حتى لو كانت هذه الحقيقة تثقل قلبها.

هذا التداخل بين الدورين ليس سهلاً. فكيف يمكن للمرأة أن تكتب عن الألم، فيما تحاول في الوقت نفسه حماية أولادها؟ وكيف يمكنها الحفاظ على مهنيتها، وسط حرب ليست خبراً بعيداً بل واقع يحيط بها؟
لكن قوة المرأة تكمن هنا، فهي قادرة على الاضطلاع بأكثر من دور في الوقت نفسه: صلبة في الخارج، حانية في الداخل، تعمل، تربّي، تواسي، تخاف، ثم تنهض في اليوم التالي لتفعل ذلك كله من جديد.
المرأة في الحرب لا تحمل السلاح غالباً، لكنها تحمل ما هو أثقل: مسؤولية الاستمرار، سواء في البيت أم في أي مأوى موقّت، واستمرار الأمل في عيون الأطفال، واستمرار العمل رغم كل الظروف.
لهذا، لا يمكن النظر إلى ما تقوم به النساء في زمن الحرب بوصفه أمراً عادياً. إنه جهد يومي غير مرئي، معركة نفسية تخوضها بصمت، وإصرار على أن تبقى الحياة ممكنة رغم كل شيء.
في النهاية، صحيح أنّ الحرب قاسية، لكن وجود الأم القادرة على زرع الطمأنينة في قلب الخوف، سواء في البيت أم بعيداً عنه بعد النزوح، هو أحد أشكال المقاومة أيضاً. فبين ضجيج الحرب، تبقى المرأة غالباً الصوت الهادئ الذي يقول للأطفال: الحياة، رغم كل شيء، ستستمر.
نبض