الشيف السعودي هشام باعشن لـ "النهار": وصفاتي لامست القلوب… ونجمة ميشلان تقدير لإنجاز طويل
من مدوّن طعام على منصات التواصل الاجتماعي إلى صاحب مطعم حائز على نجمة ميشلان، قطع الشيف السعودي هشام باعشن رحلة استثنائية في عالم الطهو، جعلته واحداً من أبرز صانعي الطعام في المملكة والعالم العربي.
عبارته الشهيرة "في قلبك" لم تكن مجرد جملة، بل جسّدت رابطاً خاصاً مع ملايين المتابعين، وتحولت في ما بعد إلى مطعم في الرياض، يجمع عشاق وصَفَاته، حيث يقدّم مزيجاً متقناً من الأصالة والابتكار.

وفي حديث خاص مع "النهار"، يكشف الشيف باعشن عن رحلته ابتداءً من شغفه الأوّل بالطهو إلى طاهٍ محترف، يمزج بين التقنيات الحديثة وأصالة المطبخ السعودي، مبرهناً أن الطهو بالنسبة إليه هوية وشغف يعكسان تاريخه وتراثه.
كيف تشكّلت رحلتك في عالم الطهو منذ البدايات الأولى؟ وكيف أسهمت تلك المراحل والتجارب في صياغة هويتك الخاصة وأسلوبك في المطبخ؟
منذ صغري، أحببت المطبخ والتجارب، لكنها لم تكن تمثل قيمة حقيقية في فنون الطهو. استمر شغفي حتى كبرت وفتحت بيتاً خاصاً، فشعرت هنا أن الوقت قد حان للاعتماد على نفسي وتعلّم الطهو بشكل جادّ.
في عام 2012 تقريباً، بدأت تجارب حقيقية لتعلّم فنون الطهو، وشاركت يومياتي وآرائي مع الناس. إصراري على الإتقان والتميّز جعلني أتعلّم وأجرّب كثيراً. قبل ثلاث سنوات، قرّرت نقل خبرتي من صانع محتوى ومدوّن طعام إلى شيف محترف، وافتتحت أول مطعم لي، ومارست هوايتي كطاهٍ.
ماذا تعني لك عبارة "في قلبك"، التي اشتهرت بها منذ بداياتك؟
عبارة "في قلبك" أراها الرمز الحقيقي الذي فتح لي أبواباً كبيرة. لم يكن سبب انتشارها الكلمةَ نفسها مجرّدةً، بل لأنها لامست القلوب. ظهرت بشكل عفويّ في أحد الفيديوهات، فاستحسنها الناس، وانتشرت بسرعة. آمنت بها لأنها قريبة إلى الناس وإلى القلوب.

كيف انعكست على مسيرتك في الطهو؟
البعض قد يتساءل: "كيف يمكن لكلمة أن تقود شخصاً أو أن يصبح لها هذا الأثر؟". بصراحة، هذه اللازمة هي من اختارتني، ولها مكانة كبيرة لديّ، حتى إنني سمّيت أوّل مشروع تجاري لي بها في شوارع الرياض.
حاولت التوقف عن قولها، فانهالت التعليقات تطالب بعودتها، فأدركت حينها أنها أصبحت كلمة شعبية تعبّر عن اللذة، وقرّرت الاستمرار بها لأنها نابعة من قلبي.
كيف تصف شعورك بعد حصول مطعمك على نجمة من دليل ميشلان؟
كان شعوراً مختلفاً تماماً، وأشبه بمن خرج من حرب مليئة بالجراح من دون أن يشعر بالألم، ثمّ أدرك بعد انتهائها حجم ما مرّ به. التقدير كان رسالة بانتهاء تلك المرحلة الصعبة، والوصول إلى منطقة راحة نشعر فيها بأن الألم أصبح خلفنا.
الجائزة اختصرت عليّ وقتاً طويلاً، لكنني لم أكن أعمل للحصول عليها، بل لأجل ذاتي وبنفس الأسلوب الذي قد يقود إلى هذه الجائزة.

ما الطموحات التي تضعها لنفسك بعد هذا الإنجاز؟
طموحي اليوم أن أصنع فرقاً حقيقياً في صناعة الغذاء. بدأنا التوجه إلى مجال الأغذية المجمّدة، وطرحنا منتجات في رمضان وخارجه. هدفي ليس مجرد التجارة، بل تقديم لقمة طيبة بسعر مناسب وجودة عالية.
من خلال رحلتك وتجربتك، كيف تعمل على إيصال المطبخ السعودي إلى العالم على نطاق أوسع وإبراز ما يميّزه؟
بالنسبة إليّ، المطبخ السعودي من أولوياتي الخاصة، فهو جزء من مسيرتي منذ زمن بعيد، وكثير من الناس يعرفونني كشيف سعودي أقدّم الطبخات التقليدية للمملكة. هذا الإرث سأحرص على الحفاظ عليه دائماً.
أعمل على ترسيخ المطبخ السعودي عالمياً، لا كأكلات فقط، بل كهوية وتراث. لذلك أقدّم أطباقاً سعودية مع لمسات تطويرية بسيطة، تحسّن الطعم من دون المساس بالأصالة.

كيف توفّق بين الأصالة والابتكار في أطباقك، سواء عبر ما تعرضه في حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي أو في مطعمك، من دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟
لديّ آلاف الوصفات. ومع الخبرة أصبحت أُحلّل أصول الطبق وأفكك مكوناته. الأطباق تتطور بحسب الظروف والإمكانات. واليوم لدينا وسائل ومكوّنات أفضل، فلِمَ لا نستخدمها من دون الإخلال بالأصل؟
مثال على ذلك، إضافة دبس الرمان إلى التمر الهندي في طبق "مطفي السمك" يوازن الحموضة، ويضبط النكهة، من دون أن يفسدها. أما "الكبيبة"، فتعتمد على شحمة اللحم، ولذا أضيف إليها زيت الزيتون، ما يمنحها رائحة زكية، ونكهة أعمق، مع الحفاظ على أصالتها.
التطوير عندي يقتصر على لمسات بسيطة تحسّن الطعم من دون المساس بجوهر الطبق.
ما الأكلات التي تعني لك على مائدة رمضان؟
رمضان مرتبط بالذكريات والطمأنينة. بعض الأطباق يجب أن تتكرر بنفس الطعم والأسلوب، مثل الشوربة والسمبوسة واللقيمات، لأن الذكرى الجميلة تجعل الطعم ألذ.
ومن وصفاتي الرمضانية المفضلة: الفول الحجازي بالطريقة البسيطة، التي تحافظ على طعمه الأصلي. كثيرون من خارج السعودية جرّبوه وأعجبوا به جداً.
لو أردت أن تترك رسالة قصيرة لكل شيف ناشئ يخطو أولى خطواته، فماذا تقول له؟
أتقن أطباق أهلك وبيتك: والدته، والده، جدته، عائلته. المكان الذي نشأ فيه هو نقطة البداية. الهوية تمنح القيمة؛ فالطبق بلا هوية كلوحة فنّية بلا قصة. بعد إتقان الجذور، يمكن تعلم ثقافات أخرى، لكن الأساس أن يحمل هويته معه أينما ذهب.
بعيداً عن ضجيج المطابخ وضغط وسائل التواصل، كيف تبدو يومياتك؟ وماذا علّمك المطبخ عن الحياة؟
أنا عاشق لألعاب الفيديو، وأمارسها بشغف ومهارة عالية، وشاركت في بطولات على مستوى عالمي. في الواقع، كانت أوّل وظيفة لي هي لاعب محترف في هذا المجال قبل احترافي الطهو.
نبض