حجب السوشيل ميديا دون الـ16 عاماً... شهادة أمّ ومدرّسة من قلب أستراليا
في وقت تتصاعد فيه النقاشات العالمية حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الصحة النفسية للأطفال، اتخذت أستراليا قراراً مفصلياً بحجب عدد من منصات التواصل عن الفئات العمرية ما دون الـ 16 عاماً. القرار أثار جدلاً واسعاً، لكنه في الوقت نفسه منح كثيراً من الأهالي شعوراً نادراً بالراحة والدعم.
ريان مشلوش مطر، أم لطفلين، مدرّسة وحائزة على درجتي البكالوريوس في علم النفس والتربية، تعيش في أستراليا، تتحدّث لـ"النهار" عن تجربتها الشخصية والمهنية مع هذا القرار، ولماذا تراه خطوة وقائية لا تقييدية.
تقول ريان إن أبناءها، أحدهما في الثانية عشرة والآخر في التاسعة، لم يتلقيا القرار منها مباشرة، لأن الحديث عنه كان قد سبق صدوره رسمياً. تقول: "الأولاد كانوا أصلاً على وسائل التواصل الاجتماعي، والنقاش كان دائراً بين كل الأطفال والمجتمع عموماً. لم يصدقوا أن القرار سيُنفَّذ فعلياً".
لكن، على عكس ما قد يُتوقّع، لم يكن وقع القرار سلبياً في داخل المنزل: "نحن ممتنون جداً لأن الحكومة الأسترالية اتخذت هذا القرار، وألزمت الجميع به".
تؤكد ريان أن الحكومة نفسها لم تُقدّم القرار على أنه حلّ سهل أو كامل، بل كإجراء احترازي يراعي تطوّر الطفل النفسي والعقلي: "الهدف ليس إقصاء الأطفال عن العالم الرقمي، بل حمايتهم. نحن نعرف أن الدماغ لا يكتمل نموه قبل سن الـ 25، فكيف بأطفال يتعرّضون يومياً لكمّ هائل من المؤثرات؟".
من وجهة نظرها، القضية تتجاوز مسألة المنصات لتصل إلى بناء الإنسان: "نريد أن نمنح الأطفال وقتاً لبناء المرونة النفسية، وتعلّم العلاقات الواقعية وجهاً لوجه، قبل إدخالهم إلى عالم معقّد لا نعرف من يقف خلف شاشاته".
منذ بدء تطبيق القرار في كانون الأول/ديسمبر، شعرت ريان، كأم، بنوع من الطمأنينة: "كأنّ الدولة تقول لنا: سلامة أولادكم أولوية، وأنتم لستم وحدكم في هذه المسؤولية".
ترى أن وجود قانون واضح يخفف الضغط اليومي عن الأهل، خصوصاً في ظل المقارنات المستمرة بين الأطفال: "حين يأتي القرار من الدولة، يُرفع الجدل عن كاهل الأهل. تماماً كما نلتزم بقوانين السير، نلتزم بهذا القانون أيضاً".
تشدد ريان على نقطة أساسية غالباً ما تُساء قراءتها: "الدولة لم تمنع التكنولوجيا، ولا التعليم الرقمي، ولا الألعاب الإلكترونية. الحظر اقتصر على منصات محددة مثل فايسبوك، إنستغرام، تيك توك، إكس وسناب شات".
برأيها كمربّية، هذه المنصات ليست ضرورة لطفل في هذا العمر، بل غالباً ما تحمل أضراراً تفوق فوائدها.
تروي ريان تجربة لافتة من صفوف المرحلة المتوسطة التي تُدرّسها: "قبل القرار، كانت الصفوف مليئة بلغة غريبة، ميمز وترندات غير مفهومة. بعد العودة من العطلة، لم أسمع ترنداً واحداً جديداً".
في مدرسة تضمّ مئات الطلاب، تعتبر هذا التغيّر مؤشراً إيجابياً واضحاً. وتصف ريان القرار بأنه أشبه بـ"إعادة ضبط" جماعية: "لم نوقّع يوماً على تعريض أطفالنا لعالم وسائل التواصل بكل مخاطره، بينما نوقّع على كل نشاط رياضي أو مدرسي".
وتضيف أن هذا القانون منح الأهالي فرصة لتعليم أولادهم الثقافة الرقمية بهدوء، قبل الانخراط الكامل في هذه المنصات.
من هنا، توجّه ريان نداءً صريحاً: "أنا أناشد الدولة اللبنانية أن تعتمد قراراً مشابهاً، خصوصاً مع جيل ألفا".
وتستشهد بدراسات تشير إلى تراجع الأداء الأكاديمي لهذا الجيل مقارنة بالأجيال السابقة، معتبرة أن السبب ليس التكنولوجيا، بل وسائل التواصل الاجتماعي تحديدًا.
ترفض ريان مقولة إن حجب المنصات يحدّ من الإبداع: "التمرير المستمر يجمّد الدماغ ويقتل الإبداع. هذه المنصّات تضعف الثقة بالنفس، وتشوّه صورة الجسد، خاصة لدى الفتيات".
وتختم بوضوح: "نحن لا نحرمهم، بل نمنحهم وقتاً ليتعلموا ويحتموا، حتى يدخلوا هذا العالم بوعي عندما يبلغون السادسة عشرة".
نبض