بين الحجب والتوجيه: كيف نحمي أبناءنا في العصر الرقمي؟
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد تطبيقات عابرة في حياة الأطفال والمراهقين، بل تحوّلت إلى فضاءٍ موازٍ تتشكّل فيه الهويّة، وتُبنى العلاقات، ويُختبر القبول والرفض والانتماء. ومع تصاعد المخاوف من آثارها النفسية والسلوكية، عاد الجدل بقوّة: هل يشكّل حجب وسائل التواصل حمايةً تربوية، أم أنه قطيعة قسرية مع عالم بات جزءاً من النمو النفسي والاجتماعي للأجيال الجديدة؟
بين من يدعو إلى المنع الكامل بوصفه درعاً وقائية، ومن يرى فيه إجراءً قمعياً يزيد العزلة والضغط النفسي، تتقاطع الأسئلة التربوية مع المعطيات العلمية. دراسات عالمية، من بينها أبحاث صادرة عن جامعة هارفارد وتقارير لليونسكو، تشير إلى أن الخطر لا يكمن في المنصّات بحدّ ذاتها، بل في طبيعة الاستخدام، غياب التوجيه، وافتقار الأطفال والمراهقين إلى أدوات الوعي الرقمي وعدم وجود رقابة أو توعية.
في هذا السياق، تحاور النهار الباحثة والخبيرة التربوية ليال غدار، للوقوف على التأثيرات النفسية والاجتماعية لوسائل التواصل، وحدود الحجب، ومعايير السماح الموجّه، والبدائل الواقعية التي تحمي الطفل من دون أن تعزله عن عصره.
توضح غدار بأن المقاربة الثنائية، التي ترى في وسائل التواصل خطراً مطلقاً أو أداة آمنة بالكامل، هي مقاربة مبسّطة لا تعكس الواقع النفسي. فبحسب دراسات أجرتها جامعة هارفارد على المراهقين، يرتبط الاستخدام المفرط وغير المنظّم بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، بينما يمكن للاستخدام المعتدل، ضمن ضوابط واضحة، أن يساهم في تعزيز الانتماء الاجتماعي والتعبير عن الذات.
تؤكد في الوقت عينه أن المشكلة لا تكمن في المنصّة نفسها، بل في غياب التوجيه التربوي والرقابة الواعية، ما يحوّل الاستخدام من أداة تواصل إلى مصدر ضغط نفسي.
كما تحذر الدراسة من أن المنع الكامل قد يأتي بنتائج عكسية، خصوصًا في مرحلة المراهقة، حيث يلعب الانتماء إلى جماعة الأقران دوراً أساسياً في النمو النفسي والاجتماعي. وتشير إلى أن بعض الدراسات، ومنها أبحاث هارفارد حول الصحة والسعادة لدى الشباب، أظهرت أن الحجب الصارم قد يولّد شعورًا بالعزلة، ويزيد من التوتر، ويؤثر سلبًا على النوم والتركيز، بدل أن يحسّن الصحة النفسية.
في العالم العربي، تلفت غدار إلى أن الأطفال والمراهقين يدخلون إلى عالم وسائل التواصل في سنّ مبكرة، وفي أغلب الأحيان من دون برامج تثقيف رقميّ أو مرافقة أسرية كافية. هذا الواقع يزيد من احتمال الوقوع في فخّ المقارنة الاجتماعية، الإدمان الرقمي، أو التعرّض للتنمّر والمحتوى الضارّ.
وتستشهد بتقارير اليونسكو التي تؤكد أن الحل لا يكمن في الحجب، بل في التوعية الرقمية، وبناء مهارات التفكير النقدي، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة.
تشدّد غدار على أن أي قرار بالحدّ من استخدام وسائل التواصل يجب أن يترافق مع بدائل واقعية، تعوّض حاجة الطفل إلى التواصل والانتماء. ومن أبرز هذه البدائل: تعزيز العلاقات الأسرية، تشجيع الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية، وفتح مساحات حوار حقيقية في البيت والمدرسة، يشعر فيها الطفل بأنه مسموع ومقبول.
وترى غدار أنّ العمر وحده ليس معيارًا كافيًا. القرار يجب أن يُبنى على التقييم النفسي والسلوكي للطفل: قدرته على تنظيم وقته، تعامله مع الضغوط، سلوكه الدراسي والاجتماعي، وطبيعة تفاعله مع المحتوى الرقمي.
فالطفل القادر على الحوار والالتزام بالحدود قد يستفيد من السماح الموجّه، فيما يحتاج طفل آخر إلى رقابة أدقّ ودعم نفسي إضافي.
تخلص ليال غدار إلى أن المقاربة التربوية السليمة لا تقوم على القمع أو المنع، بل على التوجيه الواعي، التثقيف الرقمي، وبناء علاقة ثقة بين الأهل والطفل. فوسائل التواصل، وفق ما تؤكد الدراسات العالمية، ليست خطرًا مطلقًا ولا مساحة آمنة بالكامل، بل أداة تتحدد آثارها بوعي المستخدمين وحدودهم.
نبض