لماذا ننجذب الى محتوى التشخيص النفسي على "السوشيل ميديا"؟
كل يوم، نهرب من ضغوط العالم والانتقادات التي تحاصرنا من كل جانب نغوص في عالم "السوشيل ميديا"، هذا الفضاء الصغير الذي يسمح لنا بالهروب ولو للحظات، لننسى ما مررنا به خلال اليوم. نتصفح الريلز، نتابع القصص، نضحك أو نبكي مع مقاطع قصيرة.
وبين كل فيديو وآخر، يظهر محتوى عن "التشخيص النفسي". فجأة، نشعر بالارتباك: هل أعاني من كل هذا؟ هل يمكنني أن أشخص نفسي اليوم من خلال هذه الفيديوهات؟
سمعت مراراً من أصدقاء أنهم يعانون من حالات أو متلازمات معينة، وعندما أسألهم عن مصدر هذا التشخيص، غالباً ما يجيبون: "شخصت نفسي بنفسي". لا يمكن إنكار أن هذا النوع من المحتوى يجذب الانتباه ويستحوذ على العقل، حتى أنني وجدت نفسي أقارن، أتعمق، وأحفظ الفيديوهات لأعود إليها لاحقاً.
لكن هذا يطرح سؤالاً أعمق: لماذا ننجذب إلى هذا النوع من المحتوى بقوة؟ ولماذا نصدق أنفسنا أكثر من الخبراء؟
تحدثت مع راوية عيتاني، مدربة معتمدة ومتخصّصة في العلاقات مع الذات، والتي قالت إن الصحة النفسية تحوّلت خلال السنوات الأخيرة من موضوع مسكوت عنه إلى واحد من أكثر المواضيع تداولاً على "السوشيل ميديا".

الريلز القصيرة، الموسيقى المؤثرة، الجمل المباشرة، وقوائم الأعراض… كلها عناصر تجعل المشاهد يشعر كأن الفيديو "يتحدث عنه مباشرة". وهنا يكمن السؤال الحقيقي: ليس لماذا هذا المحتوى منتشر، بل لماذا ننجذب له بقوة؟
أوضحت عيتاني أن السبب الأول يكمن في زمننا الحالي، زمن الاختصار.
العالم اليوم متعب نفسياً وعاطفياً وذهنياً، والطاقات محدودة. عندما يرى الإنسان ريل يقدم له أعراضاً وأسباباً في 30 ثانية، يشعر بالارتياح، لأنه حصل على إجابة سريعة، بدل رحلة طويلة من التفكير والمواجهة. ولكن هذا الاختصار يأتي بثمن: الوعي المختصر غالباً يكون ناقصاً، لا يعكس العمق الحقيقي للتجربة الإنسانية.

الجانب الآخر الذي أشارت إليه عيتاني هو تأثير المحتوى على المشاعر والذاكرة. هذه الفيديوهات تثير شعور "أنا!"، وتجعل المشاهد يعلق، يشارك، ويبحث عن مزيد، وهو ما تفضله المنصات لأنها تريد التفاعل والاحتفاظ بالمستخدمين. التشخيص النفسي المبسّط في الريلز يفعل ذلك بامتياز، لكنه يظل مؤشراً سطحياً وليس تشخيصاً حقيقياً.
المشكلة الكبرى لا تبدأ عند المشاهدة، بل عند التبني. عندما يقول الشخص: "أنا أعاني من كذا، لذلك أنا هكذا"، يتحوّل التشخيص من أداة للفهم إلى هوية دفاعية. بدل أن يسأل: "ماذا حدث معي؟"، يصبح الجرح عنواناً ثابتاً، والوعي يتحوّل لتبرير بدل مواجهة أو شفاء.
تنوّه عيتاني بأن التشخيص عبر "السوشيل ميديا" غير دقيق، لأنه لا يأخذ في الاعتبار السياق الشخصي، التجارب الحياتية، نمط العلاقات، الطفولة، التكرار، والتقييم المهني، وهي كلها عناصر أساسية في التشخيص النفسي الحقيقي.
الريلز لا يقدم سوى مشهد عابر، بلا تاريخ، بلا عمق، وبلا مسؤولية علاجية. هو يشير، يسلط الضوء، لكنه لا يشخص.
مع ذلك، هناك جانب إيجابي: هذه الفيديوهات تكسر وصمة العار، تفتح باب الحديث عن الصحة النفسية، وتشجع الناس على الاعتراف بما يشعرون به. لكن الخطر يظهر عندما يُأخذ هذا المحتوى كحقيقة مطلقة، ويصبح بديلاً من العمل الداخلي الحقيقي. الوعي الحقيقي لا يضع الإنسان في صندوق، بل يفتح أمامه باباً لفهم ذاته والبحث عن الشفاء.
نحن لا ننجذب إلى هذا المحتوى لأننا نحب التشخيص، بل لأننا نبحث عن فهم، عن تفسير، عن كلمة تصف وجعنا الذي عاش معنا طويلًا بصمت. التسمية وحدها لا تكفي، والريل لا يشفي. الشفاء لا يبدأ بالاسم، بل بالجرأة على النظر إلى ما خلفه، وفهم الجرح والسعي للتغيير الحقيقي.
نبض