البعض جرّبها... هل التواصل ممكن بين الأشجار والناس؟
الأشجار كائنات حية، تنمو وتكبر وتحيا وتموت. لكن، أن تتحدّث مع الإنسان وتتحرّك نحوه؟
ظهرت فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي تبيّن أشخاصاً يحاولون إثبات أنّه يمكن الإنسان أن يتواصل مع الشجرة، بطلبهم من أغصان الشجر وأوراقها الاقتراب منهم ومن وجوههم.
لا نعلم مدى صحة ما رأيناه في هذه الفيديوهات، لكن السؤال الأساسي يبقى: هل يمكن فعلاً أن يتواصل الإنسان مع الشجرة؟
أنا أستطيع!
منذ بضعة أعوام، استضاف برنامج "ذيس مورنينغ" البريطاني، هولي وارتون، وهي كاتبة أميركية مؤلفة كتاب " If Trees Could Talk: Life Lessons from the Wisdom of the Woods"، قالت إنّها تستطيع التحدّث والتواصل مع الأشجار. في فيديو المقابلة التي أُجريت خارج الإستديو لإقامة تجربة التواصل هذه، تقف وارتون إلى جانب إحدى الشجرات، وتقول أنّ "هذه الشجرة تريد أن تشكركم على تضمين الأشجار في هذه المقابلة لأنّه من المهم جداً بالنسبة لها أن يتواصل الناس مع الطبيعة، وتتواصل معهم، ولكن أيضاً بناء علاقة مع كل الأشياء الخضراء التي لدينا في غاباتنا، وفي حدائقنا وفي كل مكان حولنا".
يسأل مضيف البرنامج وارتون: "كيف تعرفين بالضبط ما تشعر به الشجرة؟". تجيبه وارتون أنّ الأمر بدأ معها عندما طلب منها أحدهم أن تجرّب الاستماع إلى الأشجار والتحدّث معها بما أنّها تقضي الكثير من الوقت في الطبيعة، وصارت تسمع أصواتاً طبيعية، لتسألها مضيفة البرنامج "ما نوع اللهجة التي لدى شجرتنا؟ هل لديها لهجة برمنغهام، بالصدفة؟". تجيبها وارتون "لا، إنها مجرد لهجة بريطانية، إنه صوت ذكوري أحصل عليه من الشجرة". يسألها المضيف بدوره: "هل تشعر الشجرة بي وأنا ألمسها؟ هل تدرك أننا نحاول التواصل معها؟ تجيبه وارتون "نعم"، وتؤكد له أنّ من الآن فصاعداً، عندما يمر بهذه الشجرة كل يوم سيتعين عليه التوقف وإلقاء التحية عليها. وتؤكد وارتون في مدوّنتها الخاصة أنّها تلقّت قصص 28 شجرة إنجليزية، وجمعتها في كتابها. وأنّ بعض الأشجار تحب التحدّث إليها وبعضها لا، وبعضها لا يُبالي. وتشرح خطوات التحدّث مع الشجرة، بالتوجّه إلى مكان تشعر فيه بالراحة مع الشجرة، وإحضار هدية صغيرة للشجرة، مثل زهرة أو بضع حبات ذرة. بعدها، اختر شجرة تثير اهتمامك واقترب منها. اسألها إن كان من المقبول الجلوس معها وربما التحدث معها. توقف قليلًا لسماع الإجابة. قد تحصل على إجابة واضحة "نعم" أو "لا". إذا أرادت الشجرة التحدث، فتقدم إليها باحترام. وإن لم تفعل، فاشكرها وابحث عن شجرة أخرى.
اجلس بهدوء قرب الشجرة، ربما وظهرك متكئ على جذعها. تواصل مع حواسك. لاحظ كل التفاصيل الصغيرة: ماذا ترى حولك؟ ماذا تسمع؟ كيف تشعر؟ ماذا تشمه وتتذوقه؟ واسأل الشجرة إن كان من المقبول أن تلمسها. واشرح لها سبب مجيئك لها وأهمية الأشجار بالنسبة لك. استمع إلى الإجابة، فقد تأتي بأشكال متنوعة: رؤية أو رمز، كلمات منطوقة تسمعها في ذهنك، شعور، طعم أو رائحة.
ما صحة هذا الكلام؟
التواصل يعني تفاعل وتبادل للرسائل. والتواصل بين البشر والأشجار لا يتضمن تبادلاً لفظياً. وتتواصل الأشجار مع بعضها البعض من خلال شبكات الجذور والإشارات الكيميائية، بينما يستطيع البشر إدراك هذه الإشارات من خلال حواسهم، ويختبرون معها ارتباطاً جسدياً وعاطفياً.
وبينما هناك رأي علمي يقول أنّ الأشجار تتواصل بيولوجيا مع بعضها البعض عبر شبكات واسعة تحت الأرض من الجذور وخيوط الفطريات تُسمى الميكوريزا، للتعرف على ذريتها ورعايتها، ومشاركة الموارد مع الأشجار الأخرى التي تواجه صعوبات. هناك دراسة بعنوان "Positive citation bias and overinterpreted results lead to misinformation on common mycorrhizal networks in forests" رأت أنّ الأدلة على أن الرأي هذا ليس قوياً كما يُشاع.
نعم، تُفرز الأشجار مركبات كيميائية، نُدركها لا شعورياً، ونستجيب لها بتغيرات في ضغط الدم. أما الشجرة، فلا تُدرك استجابتنا، إذ إنّ الإنسان ليس على اتصال بها بأي شكل من الأشكال.
وقد توصّل عالم فسيولوجيا النبات البروفيسور فرانتيشيك بالوسكا، أجد معدّي دراسة " Vision in Plants via Plant-Specific Ocelli?"، إلى أنّ النباتات تمتلك هياكل شبيهة بالعين، تُمكّنها من الرؤية، واعتقد أن النباتات ذكية، بحيث أنّها قادرة على معالجة المعلومات واتخاذ القرارات.
وقام فرانتيشيك باختبار على نباتات لبحث إذا ما كانت تمتلك الوعي. خدّ أجزاءها المتحركة ليعطّل نشاطها الكهربائي. وبعد أن تحللت النباتات المواد المخدرة، استأنفت سلوكها الطبيعي. ويأتي السؤال الحاسم، هل استيقظت النباتات كما نفعل عندما نستعيد وعينا بعد التخدير العام؟ إذ إنّ الاستيقاظ يتطلب أمراً واحداً هو الوعي. وفي حديثه لصحيفة "ذا غارديان"، أجاب فرانتيشيك على هذا السؤال:"لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال، لأنك لا تستطيع سؤال النباتات".
وجودك في الطبيعة يفيدك...لكن لا تصل حد الهوس!
ليس هناك أدنى شك بأنّ تواجدك في الغابة والطبيعة يقلل من التوتر، إذ إنّ العلاج بالغابات (forest therapy) ممارسة متنامية تَعِدُ بفوائد جمة للعقل والجسم، وتدعو إلى الانخراط في تجربة بيئة طبيعية بكل الحواس، لجعلك تعيش اللحظة الراهنة بعمق من خلال المناظر والأصوات والروائح، ومساعدتك على الاسترخاء.
في اليابان، ممارسة تُسمّى " شينرين يوكو" (forest bath)، وهي مفهوم يشير إلى الانغماس في أجواء الغابة لتخفيف التوتر، تُساعد على الاسترخاء وتجدد النشاط، وتمنحك استراحة من الأجهزة والهموم والتوتر الذي يُسيطر على حياتك اليومية.
يُقلل العلاج بالغابات من مستوى هرمون الكورتيزول، المسؤول عن التوتر. وقد وجدت دراسة " A day trip to a forest park increases human natural killer activity and the expression of anti-cancer proteins in male subjects"، أن الأشخاص الذين يمشون في الغابة مرتين يومياً لمدة ساعتين لديهم مستويات أعلى من البروتينات والخلايا المناعية القاتلة للسرطان.
نبض