عتب في صور على "حزب الله"... مدارس الإيواء تكشف الأزمة
بحسب ما أفاد النازحون، لم يبدأ الحزب حتى تاريخه بدفع بدل الإيواء، رغم أن الإيواء ليس مطلباً ثانوياً أو خدمة يمكن تأجيلها؛ إنه حاجة أساسية لعائلات فقدت منازلها ومصادر رزقها، وتواجه اليوم احتمال الانتقال من المدارس إلى أماكن أخرى لا تعرف مدى ملاءمتها.
حسين سعيد
في صور، تقف اليوم نحو 440 عائلة، تضم قرابة 1700 شخص، أمام مأزق إنساني يتجاوز مسألة إخلاء مدارس. ست مدارس تؤوي هؤلاء النازحين، بعضهم موجود فيها منذ بداية الحرب، بعدما فقدوا بيوتهم وقراهم وأرزاقهم، ولم يكن أمامهم مكان آخر يلجأون إليه.
ينتمي معظم هؤلاء إلى بيت ليف، إلى جانب عائلات من الظهيرة ويارين ومروحين والمنصوري والقليلة ومجدلزون. طوال فترة النزوح، لم تعد المسألة بالنسبة إلى كثير منهم مجرد إقامة مؤقتة. فقد وجد بعضهم عملاً في صور، وسجّل أولاده في مدارس قريبة، وبدأ، رغم قسوة الظروف، نوعاً من الحياة الجديدة التي فرضتها الحرب.
اليوم، ومع بدء العام الدراسي، باتت المدارس مطالبة بالعودة إلى وظيفتها الطبيعية. وقد كان موقف وزيرة التربية واضحاً في ضرورة إخلائها وإعادتها إلى الطلاب، وهو مطلب مشروع لا يمكن تجاهله.
في المقابل، تقول وحدة إدارة الكوارث في اتحاد بلديات صور إن العام الدراسي بدأ، وإن استمرار إشغال المدارس من قبل النازحين لم يعد ممكناً، وإن بدائل أُعدّت في أكثر من سبعة مواقع في القرى المحيطة.



أما النازحون، فيرون أن بعض هذه البدائل بعيدة عن صور ومدارس أبنائهم وأماكن عملهم، وأن بعضها لا يوفر، وفق ما يقولون، شروط الحياة اللائقة. وهم لا يرون في الانتقال مجرد تغيير مكان، بل أعباء جديدة من نقل ومعيشة وعمل، في وقت بات فيه تأمين أبسط الاحتياجات تحدياً يومياً.
وهكذا نشأ التجاذب الحالي: إنذار بالإخلاء من جهة، ورفض للانتقال إلى أماكن يرونها غير مناسبة من جهة أخرى، وسط تهديد بوقف بعض المساعدات والخدمات. وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان هو الحلقة الأضعف.
لكن علينا أن ننتبه إلى أمر أساسي: الطالب والنازح ليسا خصمين. الطالب له الحق في مدرسته، والنازح له الحق في مأوى كريم وآمن. وليس من العدل أن يدفع أحدهما ثمن حق الآخر. المشكلة ليست في وجود الطالب ولا في وجود النازح، بل في قدرة المؤسسات المعنية على إيجاد حل يحفظ الحقين معاً.
عتب على "حزب الله"
غير أن المشهد يحمل دلالة سياسية تتجاوز أزمة المدارس. ففي أوساط النازحين، يتصاعد عتب واضح على القوى السياسية التي كانت حاضرة بقوة في حياة هذه البيئة، فيما بدأ يتشكل وعي مختلف بأهمية الدولة بوصفها المظلة الأولى للمواطن.
وهنا لا بد من الكلام بصراحة أكبر. الأحزاب التي تمتعت طويلاً بولاء هذه البيئة وتضحياتها لا تستطيع أن تكون حاضرة عندما تحتاج إلى الناس، ثم غائبة عندما يحتاجها الناس.
والحديث هنا يطاول "حزب الله" بصورة خاصة. فبحسب ما أفاد به النازحون، لم يبدأ الحزب حتى تاريخه بدفع بدل الإيواء، رغم أن الإيواء ليس مطلباً ثانوياً أو خدمة يمكن تأجيلها؛ إنه حاجة أساسية لعائلات فقدت منازلها ومصادر رزقها، وتواجه اليوم احتمال الانتقال من المدارس إلى أماكن أخرى لا تعرف مدى ملاءمتها.
هنا يصبح السؤال مشروعاً وقاسياً في آن: ماذا يعني أن تكون هذه البيئة قد قدمت كل هذا الاحتضان والولاء والتضحيات، ثم لا تجد في لحظة النزوح من يؤمّن لها حتى الحد الأدنى من الاستقرار؟
العلاقة مع الناس لا تُختبر فقط عندما يكونون قادرين على العطاء، بل عندما يصبحون هم المحتاجين إلى من يقف إلى جانبهم. ولا تقل المسؤولية قسوة بالنسبة إلى نواب المنطقة.
فالنواب الذين يمثلون هذه القرى لا يمكن أن يتعاملوا مع هذه المأساة كأنها شأن إداري يخص اتحاد البلديات أو وزارة التربية فقط. هؤلاء أهل القرى التي انتخبتهم، والبيوت التي أوصلتهم إلى البرلمان هي نفسها البيوت التي نزحت وتضررت وفقدت مصادر رزقها.
الحضور في هذه اللحظة ليس ترفاً سياسياً، بل واجب تجاه الناس. لكن، وسط كل هذا العتب، ثمة تفصيل أكثر أهمية يستحق التوقف عنده. إن عبارة "ملجأنا وملاذنا ومظلتنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا: الدولة" تعكس تحولاً يستحق أن تلتقطه الدولة قبل غيرها.
أين الدولة وما المطلوب منها؟
ليس المقصود أن النازحين أعلنوا التخلي عن انتماءاتهم السياسية، ولا أن الحرب بدلت ولاءاتهم بين ليلة وضحاها. لكن تجربة الحرب والنزوح دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في السؤال الأساسي: من يجب أن يكون الملجأ الأول للمواطن عندما يسقط البيت ويضيع الأمان؟
والجواب الذي يتبلور أمامنا هو: الدولة. وهذه فرصة لا يجوز للدولة أن تفوّتها. فالمطلوب منها ليس فقط أن تجد حلاً سريعاً لأزمة المدارس، بل أن تلتقط كل تفصيل في الجنوب: إعادة الإعمار، الإنماء، التعليم، الصحة، التعويض، إعادة الأهالي إلى قراهم، وبلسمة الجراح التي تركتها الحرب.
على الدولة أن تعوّد المواطن الجنوبي على حضورها، وأن تجعله يختبر في حياته اليومية أن مؤسساتها تقف إلى جانبه، حتى لا يصبح اللجوء إلى الأحزاب والجهات السياسية هو الطريق الوحيد للحصول على أبسط الحقوق.
الدولة لا تبني علاقتها بمواطنيها بالشعارات، بل بالحضور. وحين تحضر الدولة، تتراجع الحاجة إلى المظلات البديلة. وحين تغيب، يملأ الآخرون الفراغ. لذلك، فإن قضية النازحين في مدارس صور ليست أزمة إيواء فقط، كما أن إعادة الطلاب إلى مدارسهم ليست مجرد قرار تربوي. إنها لحظة تختبر فيها الدولة قدرتها على حماية حقين في آن واحد، وتختبر فيها الأحزاب والنواب مدى صدقية العلاقة التي قامت بينهم وبين هذه البيئة طوال سنوات.
فالطالب ليس خصماً للنازح، والنازح ليس عقبة أمام الطالب. كلاهما مواطن، وكلاهما صاحب حق، وكلاهما يحتاج إلى دولة تنتصر لحقه. وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي يجب أن يبقى بعد انتهاء أزمة المدارس أكبر من المدارس نفسها:
هل تستطيع الدولة أن تجعل الجنوبي يشعر بأن مستقبله ومستقبل أولاده مرتبطان بها أولاً، لا بأي حزب أو زعيم؟
إذا نجحت في ذلك، تكون قد بدأت، وسط كل مآسي الحرب، في بناء شيء طال انتظاره: ثقافة الانتماء إلى الدولة.
نبض