إحياء عاشوراء بعد 1400 عام... لماذا تتفاعل الشعوب مع طقوس الألم بعد قرون؟
اليوم الجمعة هو العاشر من شهر محرّم في التاريخ الهجري، يعرف بـ"العاشر" او "ذكرى عاشوراء" وفيه يقوم ابناء الطائفة الشيعية بطقوس متوارثة عبر الزمن، تطرح السؤال مجدداً عن هذا الانتقال المتوارث للعادات والتقاليد، وكيف يمكن الاستمرار بها لمئات السنين؟
مراسم ذكرى عاشوراء انطلقت. وبعد أكثر من 1400 عام على معركة كربلاء، لا تزال هذه الذكرى تستحضر مشاهد الحزن والحداد لدى أبناء الطائفة الشيعية تحديداً. فبين المسيرات واللطميات والتشطيب الجسدي، يتجدّد التفاعل الشعبي مع حدث تاريخي مضت عليه قرون طويلة وكأنه وقع بالأمس القريب.
لكن عاشوراء ليست المناسبة الدينية الوحيدة التي تستدعي الألم الجسدي أو المعاناة الإنسانية. ففي الفيليبين، كما في بعض الدول، ومنها لبنان، يعمد بعض المسيحيين خلال الجمعة العظيمة إلى إعادة تمثيل آلام المسيح وحمل الصليب، ويصل الأمر لدى البعض إلى تثبيت أجسادهم على الصلبان. أما في الهند، فيشارك مؤمنون هندوس في طقوس تتضمن ثقب الجلد أو حمل أوزان ثقيلة خلال مهرجان "تايبوسام"، فيما تشهد بعض المناطق في تايلاند والصين طقوساً تتضمن اختبارات جسدية قاسية والمشي على الجمر.
أمام هذه المشاهد التي تتكرر عبر الأديان والثقافات، تبرز أسئلة أساسية: كيف تستمر هذه الطقوس في التأثير على الناس بعد مئات السنين؟ ما الذي يجعل الجماعات تتفاعل معها بهذا الزخم العاطفي؟ وكيف ينعكس ذلك على المزاج الشعبي؟
توضح الاختصاصية في علم النفس الدكتورة ماري-آنج نهرا بأن استعادة المحطات التاريخية المؤلمة ليست حكراً على دين دون آخر، بل هي ظاهرة مشتركة بين معظم الأديان. وتقول: "في كل الأديان، هناك محطات تاريخية تسمح للمتدين أو المؤمن بأن يعيد استذكار المرحلة التي عاشها الشخص الذي يؤمن به"، مشيرةً إلى أن بعض هذه المحطات ترتبط بالتضحية والمعاناة، وشعور الإنسان بالذنب أو بعدم كفاية ما يقدمه تجاه معتقده قد يجعله أكثر ميلاً إلى إعادة استذكار تلك الآلام وتمثيلها".

وبحسب نهرا، فإن المشكلة لا تكمن في التقاليد بحد ذاتها، بل في تحوّلها أحياناً إلى غاية مستقلة عن الرسالة الأخلاقية للدين، لافتةً إلى أن "اليوم من المفترض أن نأخذ زبدة الإيمان، وهو الفكر والأخلاق، لا أن نبقى فقط عند استذكار وإعادة تمثيل مراحل معينة حصلت سابقاً".
تشير أيضاً إلى أن تأثير هذه المناسبات يختلف باختلاف الأشخاص وأعمارهم ومستوياتهم الثقافية، إذ قد ينجرف بعضهم إلى انفعالات عاطفية حادة تبعدهم عن فهم الغاية الأساسية من المناسبة الدينية.
في هذا السياق، تحذر من أن "بعض رجال الدين يستغلون هذه المحطات ليقوموا بتحريض طائفة على بقية الطوائف". وترى أن هذه الإشكالية تكتسب حساسية خاصة في لبنان، حيث قد يؤدي التشديد المفرط على الانتماء الطائفي إلى تعزيز مشاعر الخوف أو العداء تجاه الآخر.
وتشرح بأن بعض الأشخاص ينخرطون في هذه المشهديات إلى درجة يدخلون معها في حالات من الحزن والخوف الشديدين، ويعيشونها كأنها حالة اضطهاد شخصية تعيد تنمية الشعور بالمظلومية لديهم، رغم اختلاف ظروف الحاضر عن الماضي. وتضيف أن لهذا الأمر وقعاً نفسياً كبيراً، إذ "تصبح الشخصية الإنسانية المعاصرة كأنها تعيش بشخصية قديمة قد تكون معاكسة لواقعها الحالي".
علمياً، إعادة تمثيل أحداث الماضي قد تحمل أحياناً وظيفة علاجية نفسية، من خلال "تفريغ المرء ما في داخله من غضب وحقد ونقمة تجاه الحاضر، رغم أن هذه الأحداث مضت، والإنسان نفسه أصبح في مكان مختلف أيضاً".
إلى ذلك، تؤكد نهرا أن الإيمان والتقاليد الدينية تشكل قيمة إيجابية عندما تنعكس على السلوك اليومي للإنسان، معتبرة أن المشكلة تظهر عندما يصبح هناك تناقض بين الطقوس والممارسة الأخلاقية للحياة اليومية، مضيفةً "لا يمكن أن نصلب المسيح ثمّ نمارس الكذب والنميمة والفساد، كما لا يمكن أن نحيي عاشوراء ونضحي بأجسادنا ثم نؤذي الآخرين أو نسيء إليهم".
وتختم نهرا بالتأكيد أن معيار نجاح أي مناسبة دينية في علم النفس الديني لا يقاس بحجم المشاركة فيها أو بقوة المشهدية التي ترافقها، بل بالأثر الذي تتركه في المجتمع.
نبض