عقارات للوقف السني في بعلبك: ملف شطب الاستملاك "تبخّر" في الوزارة
تفتح قضية العقار الرقم (9218) في منطقة البساتين في مدينة بعلبك، التابع لوقف الطائفة الإسلامية السنية (جامع الحنابلة)، ملفاً شائكاً يتعلق بالعلاقة بين مديرية الآثار والمواطنين والمؤسسات الوقفية.
وتطرح التطورات الأخيرة تساؤلات قانونية وإدارية حول مصير عقاراتٍ مستملكة "نظرياً" منذ عقود من دون تعويض أصحابها، في وقت تتسارع فيه عمليات البناء في مناطق أثرية أخرى تحت أعين الرقابة.
المستندات تتحدث: استملاك معلق منذ 1967
تُظهر "الصحيفة العقارية" للعقار المذكور، الصادرة في نيسان 2026، أن العقار يحتوي على "آثار قديمة" و"جامع قديم"، وقد أُدرج ضمن قائمة الجرد العام للأبنية التاريخية بموجب مرسوم يعود الى عام 1937. اللافت في الوثائق هو إشارة "الاستملاك الكامل" المسجلة بتاريخ 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1967 لمصلحة مديرية الآثار.


وهنا تكمن العقدة القانونية؛ فوفقاً للقانون اللبناني، تسقط مفاعيل الاستملاك إذا لم تضع الدولة يدها فعلياً وتدفع التعويضات العادلة خلال مدة زمنية محددة (ثلاث سنوات في حالات معينة). وفي حالة عقار "جامع الحنابلة"، يؤكد المطلعون أن الدولة لم تدفع ليرة واحدة منذ أكثر من 50 عاماً، مما يحول الاستملاك إلى "حجز دائم" يمنع أصحاب العقار من التصرف به أو استثماره، وهو ما دفع دائرة أوقاف بعلبك الهرمل الى تقديم طلب رسمي لشطب الاستملاك في عام 2023 (تحت الرقم 1338).
فقدان المعاملات و"الجواب الشفهي"
في الجانب الإداري، يبرز لغز اختفاء ملف شطب الاستملاك. وبحسب تصريحات مسؤولين في الأوقاف، فإن الطلب الذي وافق عليه وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى "تبخر" من سجلات الصادر والوارد في المديرية العامة للآثار، مع ادعاءات بأن "الوزير أخذ الملف معه"، من دون تقديم أي ردٍ خطي رسمي، مما يضع الشفافية الإدارية على المحك.
الكيل بمكيالين: "قبة السعيديين" نموذجاً
تنتقد الأطراف المعنية ما تصفها بـ"العدالة الانتقائية" في التعامل مع الأبنية الأثرية. فبينما يتم التشدد مع عقار الأوقاف بحجة وجود آثار، يبرز تساؤل مشروع حول كيفية السماح ببناء محلين تجاريين ملاصقين تماماً لـ"قبة السعيديين" الأثرية (الموجودة ضمن نطاق العقار نفسه).
ويشير المتحدثون بمرارة إلى أن المنطقة المصنفة اأثرية في بعلبك تشهد اليوم بناء مبنيين جديدين أمام قلعة بعلبك التاريخية من دون تحرك جدي لوقف التعدي، بينما يجري "تعطيل" مشاريع الوقف التي تهدف الى خدمة المجتمع المحلي.
خلاصة الموقف: تعاون مشروط بالعدل
لا تمانع دوائر الأوقاف في بعلبك الحفاظ على الآثار، بل تبدي استعداداً تاماً لمرافقة خبراء الآثار لأي أعمال حفر أو بناء للتأكد من عدم الإضرار بالهوية التاريخية. إلا أن الرسالة الموجهة للدولة اليوم واضحة:
"على الوزارة تقديم الحلول: إما دفع قيمة الاستملاك فوراً، وإما شطبه والسماح لأصحاب الأرض بممارسة حقهم القانوني في التصرف بملكيتهم ".
يبقى ملف العقار 9218 اختباراً لمدى قدرة مؤسسات الدولة على موازنة الحفاظ على التراث مع احترام حقوق الملكية الخاصة والوقفية، بعيداً من البيروقراطية المفقودة والمحسوبيات المكانية.
نبض