بين المهنة والعاطفة… الصحافيات الميدانيات في الخطوط الأمامية
في الميدان، لا تملك الصحافية ترف التوقف عند خوفها. الكاميرا مفتوحة والصوت يصل مباشرة إلى الناس، فيما تدور خلفها مشاهد قد تكون انفجارات أو سيارات إسعاف أو أشخاصاً يركضون مذعورين. في تلك اللحظة، عليها أن تضع مشاعرها جانباً لتكمل نقل الحقيقة، ولو كانت في قلب الخطر.
الأرقام تعكس حجم المخاطر التي تواجهها الصحافيات. فبحسب منظمة اليونيسكو، تعرّض نحو 73% من الصحافيات في العالم لعنف أو تهديدات عبر الإنترنت بسبب عملهن، فيما تعرّضت واحدة من كل أربع صحافيات لهجوم أو اعتداء في الواقع مرتبط بهذه التهديدات. كما تشير المنظمة إلى أن نحو 67% من جرائم قتل الصحافيات وقعت في مناطق النزاعات المسلحة، فيما تبقى نحو 85% من جرائم قتل الصحافيين حول العالم بلا عقاب، ما يعكس هشاشة الحماية في الميدان، وخصوصاً للصحافيات.
في التجربة الميدانية، يصبح الصحافي مع الوقت أشبه بكائن يحاول فصل مشاعره عن القصة التي يغطيها، تقول المراسلة الميدانية ذات المراس الطويل ريما مكتبي لـ"النهار". لكنها تضيف أن المشاهد الإنسانية تبقى الأقسى: "أبكي أحياناً عندما أعود إلى المنزل بعد رؤية أطفال أو نساء يبكون. أتخيّل جدتي مكان امرأة مسنّة فقدت أبناءها في الحرب، وهذا ما يقربني إنسانياً من قصص الناس". وتلفت إلى أن أقوى القصص الصحافية التي كتبتها كانت القصص الإنسانية، لأن الصحافية غالباً ما تلتقط التفاصيل العاطفية في الميدان بحدس خاص.

وترى مكتبي أن الصورة النمطية التي تعتبر المرأة أضعف في الميدان ليست دقيقة. فخلال عملها لاحظت أحياناً أن النساء يبقين صامدات في مواقف خطرة، بينما قد ينسحب بعض الرجال، رغم خبرتهم الطويلة. ومع ذلك، تؤكد أن الحرب "تدمر الجميع، صحافيين وصحافيات على حد سواء"، وأن استعادة التوازن بعد التجربة تحتاج إلى وقت طويل.
المراسلة جويل مارون تشاركها التجربة نفسها. وتقول لـ"النهار" إن الصحافية تحاول في الميدان أن تفصل بين مشاعرها وما تراه لتتمكن من نقل الصورة كما هي. لكن المشاهد القاسية تبقى عالقة في الذاكرة. وتستعيد من أصعب اللحظات التي عاشتها استهداف صحافيين كانت بينهم، إضافة إلى حادثة استهداف سيارة أمامها في جنوب لبنان حيث رأت الأشلاء والناس يركضون مذعورين.

ورغم ذلك، تؤكد مارون أن العمل الميداني يصبح جزءاً من هوية الصحافي. "من يعمل في الميدان لا يستطيع أن يعود بسهولة إلى العمل خلف المكتب". فصورة الصحافية الواقفة أمام الكاميرا وسط الدخان أو الركام، تقول، تبقى رسالة عن قوة المرأة في نقل الحقيقة، رغم أنها في النهاية إنسانة تحمل مشاعرها معها أينما ذهبت.
نبض