دير الأحمر تحتضن النازحين: بردٌ ورمضان وندوب حرب 2024
في باحة مدرسة رسمية في دير الأحمر، يفترش عشرات النازحين الأرض، يتلحّفون بطانيات سميكة لا تقوى وحدها على صدّ برد آذار القارس. وجوه متعبة،عيون حذرة، وأجساد صائمة تعيش رمضان بعيداً عن دفء البيوت، في غرف ضيّقة تحوّلت فجأة إلى مراكز إيواء، ليعيد المشهد ذكريات حرب 2024 التي ظنّ الكثيرون أنها طُويت.
أغلب الواصلين يرفضون التصوير، يشيحون بوجوههم عن الكاميرات وكأن الصورة طعنة إضافية في كرامة مُنهكة. يهمس أحدهم لنا: "بيكفّينا بهدلة"، يريد هؤلاء أن تمرّ هذه اللحظة ككوابيس الليل: ثقيلة ومؤلمة، لكن من دون شهود.
وفي إحدى الزوايا، تجلس الخمسينية هناء مشيك مع أحفادها، تروي بمرارة كيف فقدت 11 فرداً من عائلتها عام 2024، يومها عادت إلى بيتٍ مثقوب بالجراح، وحاولت أن تبدأ من جديد، لتجد نفسها اليوم تسجل أسماء الصغار في لوائح النازحين بدلاً من قوائم الدراسة.

بين الممرات، تتشابه الحكايات؛ نازح من بعلبك يلمّ شتات خيبته من عجز الدولة، في الممرّ، يقول: "زهقنا من الأوضاع على آخر درجة وما بقى فينا نتحمّل شو بدنا نعمل". وآخر فقد زوجته وابنه ومنزله في حيّ الشيخ حبيب عام 2024، ولم يتلقَّ أي تعويضات حتى الآن، ما جعله عاجزاً عن دفع إيجار منزل.
أما حسن، الجريح من كفركلا، فيحمل في جسده إصابة من الحرب الماضية، شاكياً إهمال الدولة التي "تقول إنها تساعد لكن الواقع مغاير تماماً"، مثنياً في الوقت ذاته على تعاون أهالي دير الأحمر الذين يبذلون أقصى طاقاتهم.
الاستجابة الدولية والمحلية
في موازاة ذلك، تتحرّك الهيئات الدولية تحت ضغط الأزمة المتفاقمة، فقالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان دلال حرب لـ"النهار": "إن الفرق الميدانية تحرّكت في أسرع وقت ممكن فور تصاعد الضربات، وحشدت جهودها للاستجابة لحاجات الأشخاص الذين نزحوا من مناطق عدة، سواء من الجنوب أو من داخل البقاع أو من الضاحية الجنوبية لبيروت، مشددة على أن هذه الاستجابة تتم تحت قيادة الدولة اللبنانية وبالتنسيق الكامل مع الجهات الرسمية المعنية.

وأوضحت حرب أن المساعدات تُقدَّم بالتعاون مع إدارة وحدة الكوارث ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارات مختصة أخرى، في إطار استجابة طارئة تركز على تلبية الاحتياجات الأساسية للعائلات النازحة، لا سيما أن عدداً كبيراً منهم اضطروا إلى مغادرة منازلهم عند الرابعة فجراً. وأضافت أن العائلات أمضت ساعات طويلة على الطرقات، وبينهم نساء وأطفال ومسنّون، ما يجعل توفير الحد الأدنى من مقوّمات العيش الكريم في مراكز الإيواء أمراً ملحّاً.
وأشارت حرب إلى أن "الدعم يشمل فرشات للنوم، وبطانيات وأغطية، إضافة إلى مصابيح وإنارة ليلية وكل المستلزمات الأساسية التي تمكّن العائلات من الإقامة في مراكز الإيواء بانتظار عودتهم الآمنة إلى منازلهم".
على مستوى الاستجابة المحليّة، يصف رئيس بلدية دير الأحمر، المهندس هنري الفخري، الوضع بـ"المأساوي"، حيث تستضيف المنطقة نحو 8000 نازح، وهو عدد يفوق القدرة الاستيعابية بأضعاف وهنالك 5 مراكز إيواء ضمن المنطقة.

ويحذر الفخري من أن المساعدات "خجولة جداً"، مؤكداً أن البلدية لا يمكنها الحلول مكان الدولة، ومطالباً بتحرك فوري للمنظمات الدولية لتوفير المازوت والمواد الغذائية، خاصة أن أمد الحرب لا يزال مجهولاً.
تحديات السكن والبقاء
الوجع هنا ليس وجع نزوحٍ واحد. كثيرون لم ينسوا حتى اليوم نزوحهم الأوّل عام 2024، وها هم يعيشون نزوحاً ثانياً في رمضان، في برد قارس، ومع إحساس عميق بالضعف والتعب من التكرار.
إلى جانب البرد والجوع، يبرز هاجس السكن؛ فالنزوح إلى المدارس وصالونات الكنائس لم يكن خياراً، بل نتيجة عجز عن دفع إيجارات المنازل التي قفزت لتتراوح بين 500 وألف دولار شهرياً، وهو رقم يفوق قدرة عائلات تآكلت مداخيلها.
وسط هذه الصورة الثقيلة، تتقدّم لائحة الاحتياجات العاجلة بوضوح: الأهم مازوت، مواد غذائية، مياه للاستعمالات الشخصية، وفرش وأغطية. مازوت للتدفئة في ليالي البرد، غذاء لعائلات صائمة لا تملك سوى القليل، مياه للنظافة في أماكن مكتظّة، وفرش وأغطية تحفظ الحدّ الأدنى من الكرامة والدفء.
تُشير أرقام حصلت عليها "النهار" إلى وجود 1500 نازح في مراكز الإيواء الرسمية و250 لدى عائلات مستضيفة في دير الأحمر، وبلغ المجموع قرابة 2250 نازحاً في المنطقة.
وهي أعداد مرشحة للارتفاع الكبير إذا اشتدت حدة العمليات العسكرية، ما يضع المنطقة أمام تحدٍّ قد يتحول إلى أزمة إنسانية شاملة تتطلب استنفاراً فورياً لكل الطاقات.
نبض