طلال حيدر أمام أنقاض "مرجته": "اللّي" بده يقاتل العدو يقاتله بالعقل مش بحياة الناس البريئة
حين تصل إلى بدنايل غرب بعلبك، لا تبحث عن منزل طلال حيدر بالعناوين التقليدية، بل عن المكان الذي تفوح منه رائحة "لبنان القديم".
لكن اليوم، الرائحة مختلفة؛ ثمة غبار كبريت يختنق به الياسمين، وصمت ثقيل يلف "المرجة" التي كانت يوماً مسرحاً لأجمل ما غنته فيروز وما لحنه الرحابنة.
تمشي في الحديقة، التي لطالما كانت "صالوناً" مفتوحاً لسماء لبنان، فتتعثر بقطع من الحجر المفتت. هنا، في هذه الزاوية تحديداً، جلس آل الرحباني، وفيروز وهنا دوزن زكي ناصيف ألحانه.
وطلال حيدر، الذي لم يكسره العمر، يختصر في تجاعيد وجهه تاريخ لبنان الجميل، بدا وكأنه يلملم أشلاء ذكرياته من بين الحطام.
يشير بيده المرتجفة قليلاً نحو الدمار ويقول لـ"النهار" بصوتٍ يحمل العتب: "هذه المرجة جمعت كل فناني لبنان من آل الرحباني، وزياد الرحباني، زكي ناصيف، مارسيل خليفة وغيرهم كتار.. هيدا البيت مش لينضرب بوهج القنابل ويتهدم، هيدا البيت كان لفناني لبنان وموسيقييه حتى ياخدوا قصيدة وتصير ملك لبنان.. بخاطرك يا لبنان القديم".

أنا ثروة لبنان فبأي ذنبٍ أُدمر؟"
في حديثه لـ "النهار"، بدا حيدر "مسلحاً بالكلمة" في وجه الاعتداء الذي طال المدنيين. هو الذي وهب تسعة عقود من عمره للبنان الفكر، يتساءل بوجع الرجل الذي عاصر كل الحروب، وخرج منها دائماً حارساً للجمال.
ورغم جرحه الشخصي، لم يتخلَّ طلال حيدر عن "بوصلته" القومية، لكنه وضع النقاط على الحروف بشجاعة المثقف الذي يرفض العبث بحياة الأبرياء: "إذا بتتحرر القدس من بيتي، بضحي بالبيت وبحالي، بفهم أنو تكون في مراكز للمقاتلين، للحزب، لمين ما كان من البيوت إذا في حرب شوارع، إذا حرب طيارات، على قليلة الرأفة برحمة المدنيين، كما أنني ليس فقط مدني لا أنا عم ساهم بثروة لبنان الفكرية والشعرية على مدى تسعين سنة صار عمري بيحق لي، ومرق علي حروب كتير، بعتقد إنه بيحق لي ما يتدمر بيتي بلا سبب".

النسر الحائر" في سماء بعلبك وصلاة لبنان المشتركة
تنتقل معه للحديث عن لبنان، فتتغير نبرة صوته، تصبح أكثر عمقاً، وكأنه يلقي شعراً في حضرة الموت. لا يتحدث طلال حيدر كضحية، بل كـ "مبشر". لبنان عنده ليس خريطة ممزقة، بل هو "صلاة" مشتركة. بين الركام، لا يغيب الشعر عن لسان حيدر، بل يستحضره كمرآةٍ للواقع المرير.
يصف حال الوطن بصورة "النسر الحائر" الذي ضلّ طريقه فوق جبالٍ كانت يوماً مقراً للآلهة: "في نسر بده يروح من حرمون لزلعاد بمر فوق بلاد وملبك وحيران يا نسر غير يا نسر دربك ما في غير الآلهة بتمر بلبنان".
وعن هوية لبنان التي يراها تذوب في أتون الطائفية، صرخ بحلم "الشعب الواحد": "لبنان مش مجموعة طوائف بيصير شعوب لبنانيي، وليصيروا الشعب لبناني بس تفرح أجراس الكنيسة ويرتفع آذان، وعيسى يلاقي نبي المعراج بلبنان".

لبنان الضحية.. والقتال بـ "الموسيقى"
وحين سألناه بمرارة: هل يستحق لبنان كل هذا؟ أجابنا بفلسفة الرجل الذي يرى لبنان جبهةً فُتحت ليعبر منها الجميع، لكنها تُركت وحيدةً تدفع الثمن: "مش بس ما بيستاهل اللي صار فيه لبنان، لبنان ضحية وجبهة، يعني فتح الجنوب الباب ليفوتوا العرب مش بس نحنا على عاتقنا القضية، على عاتق كل هذه الأمة، يا هالأمة تكون كلها في موقف يا أما يستفردوا لبنان، حرام على الحضارة".
وعن "الثمن" الباهظ الذي يُدفع من لحم اللبنانيين الحي، يضيف، وكأنه يضع دستوراً للمقاومة الفكرية: "إذا كان هذا الثمن بيرجّع فلسطين مبروك، بس إذا ما بترجع ونحن عم نتدمر، يعيدوا شوية وجهات النظر لحتى يعرفوا القتال مش بس بالبارودة، القتال بالموسيقى وبالشعر وبالفكر وبالسياسة.. كل ما نحنا كنا حضاريين منغلب أعداءنا مين ما كانوا، كل ما نحن منصير همجيين منصير مثل أعدائنا".
تغادر المنزل وأنت تشعر أن الشظايا لم تصب الحجر فقط، بل أصابت "مشعل الحضارة" الذي يمثله هذا الرجل.

ختم طلال حيدر لقاءه مع "النهار" بوصيةٍ بدت كصرخة استغاثة لقيامة لبنان من عثرته، مؤكداً أن دمار هذا الوطن هو خسارةٌ للإنسانية جمعاء: "القول الحقيقي أنه يرجعوا للبنان أولاً.. دمار لبنان ما بيحرر خريف العالم، ودمار لبنان كارثة على الإنسانية لأننا نحنا مشعل الحضارة في الشرق الأوسط. لا أحد إلا بيعتبر إسرائيل عدوة، ولكن اللي بده يقاتل العدو يقاتله بالعقل مش بحياة هالناس البريئة".
نترك طلال حيدر، واقفاً بين جراح منزله، شامخاً بشعره الذي لا يشيخ، لتبقى كلماته وثيقةً دامغة في ذاكرة لبنان الذي يأبى أن ينطفئ مشعله.

نبض