جناز لراحة نفس غسان سكاف... المطران عودة: كانت حياته مسيرة عمل وجهاد
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة خدمة القداس الإلهي في كنيسة القديس نيقولاوس، وجنازاً لراحة نفس النائب الراحل غسان سكاف.
بعد قراءة الإنجيل المقدّس ألقى عودة عظة أشار فيها إلى أن "الكنيسة اليوم تضعنا أمام كلمة الهية غنية، لا تقرأ كحدث تاريخي بل كمرآة تكشف حقيقة الإنسان في كل زمان ومكان، وكدعوة حية إلى التوبة والرجاء والشكر. نلتقي في إنجيل اليوم بالبرص العشرة الذين استقبلوا المسيح عند دخوله إحدى القرى. البرص في الفكر الكتابي ليس مرضاً جسدياً فقط، بل حالة انفصال عن الجماعة والعبادة والحياة الطبيعية. في العهد القديم كان يعتبر نجاسة وعقاباً على الخطايا، ومن تثبت إصابته بالمرض كان يفرز من بين الجماعة، وخارج المحلة يكون مقامه، لا يحق له الاقتراب ولا المشاركة ولا اللمس. إنّها حالة الإنسان الساقط المجروح بالخطيئة، الحامل في داخله موتاً يجعله عاجزاً عن الشركة، وإن بدا حياً في الظاهر".
وأضاف: "هؤلاء البرص، رغم بعدهم، امتلكوا ما هو جوهري، أي الإيمان المعبّر عنه بالصرخة، إذ رفعوا صوتهم قائلين يا يسوع المعلّم ارحمنا. الرحمة هنا ليست طلب شفاء وحسب، بل طلب حياة. يعلمنا الآباء أن الرحمة الإلهية ليست شفقة عاطفية، بل قوة خلاصية تعيد الإنسان إلى موضعه الصحيح. يقول القديس كيرلس الإسكندري الذي نعيّد له اليوم أن البرص لم يطلبوا أجرة، بل اعترفوا بحاجتهم، وفي هذا الاعتراف يبدأ الخلاص. المسيح إذ رآهم قال لهم أمضوا وأروا الكهنة أنفسكم، لأنّه يحق للكهنة وحدهم بحسب الشريعة إعلان الشفاء، ولم يرد رب الشريعة أن يكسر الشريعة، فيما نحن نخرق الشريعة كل يوم آلاف المرّات".

وتابع: "اللافت إن شفاء البرص لم يتم في لحظة اللقاء بل فيما هم منطلقون طهروا. يعلّمنا الإنجيل أن الطاعة تسبق الفهم أحياناً، وأن الإيمان الحقيقي ليس انتظار المعجزة بل السير نحوها بثقة ورجاء. كم من مرّة نطلب إلى الله أن يغيّر واقعنا دون أن نتحرّك، فيما هو يدعونا أن نريد، أن نطلب لنشفى. هنا يتجلّى الفرق بين الإيمان النظري والإيمان المقرون بالعمل".
وأردف: "واحد فقط، حين رأى أنه قد برئ رجع يمجد الله بصوت عظيم، وخرّ على وجهه عند قدمي يسوع شاكراً. هذا الرجوع ليس حركة مكانية بل تحوّل داخلي. لقد فهم السامري الغريب أن المعجزة ليست الغاية، بل هي العلامة، وأن الشفاء الحقيقي هو اللقاء مع المسيح نفسه. اليهود التسعة الذين كانوا يظنّون أنفسهم أخصاء الله كانوا عديمي الشكر ونالوا شفاء الجسد فقط، أما العاشر السامري الوثني فقد خلص. تخلّص من المرض ونال محبة الله ورحمته لأنّه أدرك عظم النعمة المعطاة له، وعاد ليشكر، فاستحق سماع قول الرب إيمانك قد خلصك. سؤال الرب اليس العشرة قد طهروا فأين التسعة موجّه إلى كل منا. كم مرّة نأخذ عطايا الله وننسى المعطي. نطلب بإلحاح وعندما يستجاب لنا ننسى الشكر ونتابع حياتنا بأخطائها".
وقال: "الشكر من أهم الفضائل الروحية التي تميّز الإنسان المسيحي الذي يشكر الله في كل الظروف، على كل شيء ومن أجل كل شيء، لأنّه يؤمن أنّه غير مستحق وما أعطي له هو منحة من الله الذي لا يريد إلا خير الإنسان، وهو يعلم حاجاتنا ويعطينا ما يساعدنا على الخلاص. في رسالة اليوم نقف أمام بعد آخر من الشكر، هو الشكر الكنسي والوجودي. يقول الرسول بولس اذكروا مدبرّيكم الذين كلموكم بكلمة الله، تأملوا في عاقبة تصرّفهم واقتدوا بإيمانهم. الذكر هنا ليس استذكاراً عاطفياً، بل فعل إيمان. الكنيسة تذكر الآباء والمدبّرين لأنها تؤمّن بأن الحياة لا تقاس بطولها، بل بالثمر الذي تركته. ثم يؤكّد الرسول أن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى مدى الدهر. في هذا الإعلان يتأسّس الرجاء. فالمسيح الذي شفى البرص وقبل شكر السامري هو نفسه الذي يعمل اليوم في الكنيسة، والذي نستودع بين يديه الراقدين. هو لا يتغيّر، ولا يخذل رجاء الذين يتّكلون عليه".
وختم: "يا أحبّة، نصلّي اليوم لراحة نفس النائب غسان سكاف، الطبيب اللامع والنائب الذي حمل آلام وطنه حتى الرمق الأخير. فقد لبنان بفقده طبيباً ناجحاً ووجهاً من وجوه الثقافة والاعتدال والانفتاح والحوار. كانت حياته مسيرة عمل وجهاد أكثر منها مسيرة بحث عن مجد شخصي. عمل بخفر حاملاً ما أعطي له كأمانة لا كامتياز. تميّز باستقامته والتزامه واحترامه للإنسان ومحبّة بلده والعمل من أجل مصلحته، بتواضع ومحبّة لا تفرق بين مواطن وأخر. يا أحبة، ما خاطبنا به الكتاب اليوم لا يعزّينا فقط، بل يحاسبنا. هل حياتنا هي ذبيحة شكر. هل نعيش كما لو أن لنا هنا مدينة باقية،أم نسعى إلى المدينة العتيدة. هل نكتفي بأن نطلب من الله أم نعود إليه ساجدين شاكرين. فلنطلب أن يمنحنا الرب قلب السامري الأبرص، وأمانة المدبّرين، ورجاء الرسول، وحكمة الدكتور غسان، لكي نصير نحن أيضاً شهادة حية لنعمة الله وعمله الخلاصي".
نبض