قنبلة موقوتة على مدخل بيروت: توسعة خزانات "كورال" تعيد شبح 4 آب؟
لم ينجُ اللبنانيون من انفجار مرفأ بيروت عام 2020، عندما قَتل الشباب وأصابَ الأطفال، وهزَّ قلوب العالم وأيقظ الخوف والقلق في نفوس اللبنانيين... إلا عقول المسؤولين لم تستيقظ يوماً. وها نحن اليوم أمام دولة تعيد إنتاج أخطاءها نفسها، وكأنّ الدمّ لم يكن كافياً، وكأنّ الفساد والاستهتار لم يبلغا ذروتهما بعد.
في منطقة برج حمود، إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية وتجارية في لبنان، يتصاعد الجدل حول منشآت وخزانات غاز ومواد نفطية تعود لشركة "كورال"، وسط اتهامات بتوسيعها منذ سنوات من دون الالتزام بالمعايير الدولية للسلامة العامة، ومن دون وضوح في مسألة التراخيص والأذونات القانونية، ما يطرح مخاوف جدّية من خطر داهم على حياة آلاف السكان.
في هذا السياق، أرسل المحامي علي عباس طلبات وصول إلى المعلومات إلى كل من وزير الطاقة والمياه، وزير الأشغال العامة والنقل، وزيرة البيئة، وزير الصناعة، محافظ جبل لبنان، المجلس الأعلى للتنظيم المدني وبلدية برج حمود بصدد الحصول على المستندات التي تُظهر على أي أساس يجري هذا التوسيع وتُبنى خزانات جديدة.
وفي حديث إلى "النهار"، يصف عباس ما يحصل بـ"قنبلة موقوتة جديدة أمام بيروت"، مشيراً إلى أن الملف يعود بجذوره إلى عام 2013، ويتعلّق مباشرة بالسلامة العامة، لافتاً إلى أنه سيتابع الملف حتى النهاية، وعلى ضوء المستندات التي سيحصل عليها سيحدّد الثغرات القانونية، ويواجه المعنيين بالقضاء والقانون.
من جانبها، تذكّر النائبة نجاة عون صليبا عبر "النهار" أن هذا الموضوع شهد في السابق اعتراضات واسعة من أهالي المنطقة الذين تمكنوا حينها من توقيف المشروع"، مضيفةً "أشكّ في أن تكون هذه المنشآت حاصلة على تراخيص أو ملتزمة بالمعايير العالمية، لأن المعايير الدولية تشترط على أن تكون خزانات الغاز بعيدة عن أي تجمّع سكني أو صناعي ضمن مسافات محددة." كما ترى أن خطورة الملف تكمن في الغطاء السياسي الذي يحميه، متسائلةً: "كيف يمكن لهذا المشروع أن يحصل اليوم على ترخيص؟ ففي عام 2017 تم إيقافه لعدم توفر المساحة الكافية ولعدم التزامه بمعايير السلامة العامة".
تضارب المراسيم وتفلّت المسؤوليات
وفي ظلّ هذه الفوضى، يرجّح عباس احتمالين: إما وجود تراخيص غير صحيحة أم أن الشركة تقوم بهذا التوسيع بطريقة غير قانونية. ويكشف في الوقت نفسه أن "وزارة الطاقة والمياه هي المعنية مباشرة بهذا الملف، وهي التي منحت الأذونات عام 2017 حين بدأ العمل على أعمال الترميم، إلا أنّ الوتيرة تسارعت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة."
في المقابل، تؤكّد مصادر في وزارة الطاقة لـ"النهار" أن الوزارة لا تمانع تسليم جميع المعلومات المطلوبة والمتوفرة لديها، مشيرةً إلى أن دورها يقتصر على الدراسة الفنية للملف. وتضيف المعلومات: "في عام 2017، خلال ولاية الوزير سيزار أبي خليل، جرى إعداد دراسة ملف فني وفق المرسوم 5009، وأُعطي رأي فني يسمح بتوسيع المنشأة. لكن الترخيص النهائي لا يصدر عن وزارة الطاقة، بل عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني، بعد استكمال الدراسات من مختلف الوزارات المعنية".
أما وزارة الأشغال، فتؤكَّد ان الأعمال التي تُجرى حالياً هي أعمال محصورة ضمن نطاق العقار الخاص العائد للشركة، وليست قائمة على الأملاك العامة البحرية، مشيرةً الى ان هذه الاعمال حاصلة على التراخيص والموافقات المطلوبة من الجهات المختصة.
كما تشدد على أنه "لا يوجد أي امتداد أو إنشاءات جديدة على الملك البحري العام، ولا أي تعدٍّ عليه، وما يُتداول لا يستند إلى وقائع قانونية مثبتة ضمن نطاق صلاحيات وزارة الأشغال العامة والنقل. أما في ما يتعلّق بأي ادعاءات او تجاوزات بيئية، فإن معالجتها والبتّ بها لا يدخل ضمن اختصاصها".
الى ذلك، حاولت "النهار" التواصل مع وزارتي البيئة والصناعة الّا ان تقاذف المسؤوليات و"الجهل" بتفاصيل الملف، كانا الجواب الأقرب للتساؤلات.
ووسط اصطدام المسؤوليات المشتركة، يكمن السؤال الجوهري: من الجهة التي تمنح الترخيص؟
يشرح المحامي علي عباس أن هناك أنواع متعددة من الأذونات، مشدّداً على أن "المرسوم الصادر عام 2013، المعروف بالمخطط التوجيهي لمنطقة برج حمود، يركّز بشكل أساسي على أنه لا يجوز إنشاء منشآت ضخمة وخطيرة إلا وفق شروط واضحة وصريحة، وبالاستناد إلى معايير دولية معتمدة في مجال السلامة العامة. وهذا المخطط ينصّ صراحةً على أن منشآت من هذا النوع تحتاج إلى ترخيص صادر عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني."
وبحسب عباس "إن المعنيين لم يستندوا إلى هذا المرسوم، بل اعتمدوا على مرسوم أقدم يعود إلى العام 1993، رقم 5509"، مشيراً إلى انه "لا يميّز بين محطة وقود عادية ومنشأة تضم عشرين أو ثلاثين خزاناً كبيراً للغاز والمحروقات والمواد الهيدروكربونية، وبالتالي جرى الاستناد إليه للحصول على إذن بالترميم والتوسعة، بحجة وجود منشأة سابقة قبل تعديل المخطط التوجيهي للمنطقة، رغم أن بعد انفجار مرفأ بيروت، طُلب من جميع هذه المنشآت نقل خزاناتها خارج المنطقة."
كما يلفت إلى أن قانون الأثر البيئي ينص على أن أي مشروع يتضمن إنشاء خزانات ضخمة، يفرض إجراء دراسة أثر بيئي مما يتطلب موافقة من وزارة البيئة، مضيفاً "نحن اليوم نتحدث عن منشأة مصنّفة ضمن فئة الخطر المحدق العالي جداً (A1)، أي أعلى درجات المخاطر على السلامة العامة، وهذا الموضوع ليس مزحة. لكن من أجل الجشع والربح السريع، لا تشكّل سلامة الناس أولوية. فبلدية برج حمود تتقاضى من جهة، والوزارات تتحاصص فيما بينها من جهة أخرى، وتمنح تراخيص بلا ضوابط، وفي النهاية يرفع الجميع شعار مكافحة الفساد".
يبدو أنّ خزانات "كورال" في برج حمود تشكّل اختباراً جديداً لدولة لم تتعلّم بعد أنّ السلامة العامة حقّ أساسي لا يُساوَم عليه. وبعد كارثة 4 آب، لم يعد أمام اللبنانيين سوى الدعاء كي لا "تتكرّر الكرّة".
نبض