جمود داخلي ترقّباً للانتخابات الإسرائيلية وانعكاساتها الحزب يتهيّأ لمواجهات... وجنبلاط يعود إلى "الحوار"
مصادر أمنية لبنانية كشفت لـ"رويترز" أن "حزب الله" أمضى الأشهر الثلاثة الماضية في الاستعداد لاحتمال تجدّد المواجهات مع إسرائيل، ويركّز على تأمين المتفجرات وتصنيع الطائرات المسيّرة، بالتوازي مع العمل على إعادة ترميم منظومة القيادة والسيطرة.
كل أنظار بلدان الشرق الأوسط ومعها العديد من الدول في أنحاء العالم تتّجه إلى إسرائيل اليوم، التي ستنخرط في إحدى انتخاباتها العامة الأكثر تعقيداً من الناحية السياسية الداخلية، والأكثر إثارة للتساؤلات القلقة حول مصير المنطقة، في ظل أي نتائج ستؤدي إليها وأي حكومة ستنشأ عنها.
ولعل لبنان، أسوة بغزة والضفة الغربية وجنوب سوريا، يشكّل "الساحة" الأكثر مدعاة للانشداد إلى الانتخابات الإسرائيلية، نظراً إلى قتامة واقعه وخطورة الاحتمالات التي قد تنشأ عن استمرار الواقع الاحتلالي الإسرائيلي في جنوبه، إذا لم تحمل الانتخابات تغييراً جارفاً في السياسات المقبلة لإسرائيل، أقلّه على صعيد "إدارة الحروب" الدائرية وصراعاتها وفي صلبها مصير الجنوب وعبره لبنان. وإذ تخشى الأوساط اللبنانية في دوائر السلطة، خصوصاً أن ترتّب عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، نتائج تصعيدية واسعة في لبنان، لا يبدو الاحتمال المعاكس بفوز خصومه وعلى رأسهم رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت حمّال تغيير جذري خارج إسرائيل، خصوصاً على مستوى التخلي عن "المناطق الأمنية" التي أقامتها إسرائيل ومن ضمنها في جنوب لبنان.
وأما مصدر المخاوف الموازية، فتتصل بالجانب الإيراني و"حزب الله" وما قد يترتب على لبنان جراء استباحتهما له مجدداً. وفي هذا السياق، كشفت مصادر أمنية لبنانية لوكالة "رويترز" أن "حزب الله" أمضى الأشهر الثلاثة الماضية في الاستعداد لاحتمال تجدّد المواجهات مع إسرائيل، بعدما تلقّى عشرات ملايين الدولارات من إيران لإعادة بناء قدراته العسكرية.
وبحسب المصادر، يركّز الحزب على تأمين المتفجرات وتصنيع الطائرات المسيّرة، بالتوازي مع العمل على إعادة ترميم منظومة القيادة والسيطرة التي تضرّرت خلال المعارك السابقة.
وأشارت إلى أن الحزب لا يزال في مرحلة إعادة تكوين مخزونه العسكري وتجهيز قواته، وسط ترقّب لاحتمال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليها من عودة الحرب إلى الجبهة اللبنانية.

المشهد اللبناني
تبعاً لهذه الصورة الشديدة الغموض عشية الانتخابات الإسرائيلية، غابت عن المشهد اللبناني أي تطورات بارزة وساد جمود واسع عكس الترقّب الثقيل الذي يسود مختلف الأوساط والاتجاهات، فيما خرقته مواقف سياسية تعكس في بعض جوانبها تمركز الواقع السياسي عند ملف سلاح "حزب الله" ومشتقاته كأساس للتأزّم ربطاً بالاحتلال الإسرائيلي كما بملفات الداخل وأبرزها أخيراً ملف المتفجرات.
وفي هذا السياق، برزت مجموعة مواقف سياسية في طليعتها تحذير للرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من أن المرحلة المقبلة قد تحمل مزيداً من المشكلات والدمار، في ظل استمرار التوسع الإسرائيلي من جهة، والدعم الإيراني لـ"حزب الله" من جهة أخرى. واعتبر أن طهران تخطئ حين تعتقد أن دعم الحزب يمكن أن يحقّق الاستقرار في لبنان أو يضعف إسرائيل.
وانتقد جنبلاط المسار الذي سلكته المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، قائلاً: "أخطأنا حين لم نختر مسار إسلام آباد، واخترنا مسار ماركو روبيو الذي لن يقودنا إلى أي مكان". وأشار إلى أن المفاوضات التي قادتها واشنطن شهدت سبع جولات من دون التوصل إلى نتيجة، فيما لا تزال إسرائيل تحتل أراضي لبنانية.
ومع أنه رفض تحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية إخفاق المفاوضات، مؤكداً أنها حاولت القيام بواجباتها، لكنه اعتبر أن الرهان على قدرة الولايات المتحدة على الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية "وهم كامل".
وفي ملف سلاح "حزب الله"، اعتبر جنبلاط أن الحوار يشكّل المدخل الوحيد لمعالجة القضية، مؤكداً أن الشيعة جزء أساسي من النسيج اللبناني، ولا يمكن التعامل معهم بمنطق الإقصاء أو الإلغاء.
وفي المواقف أيضاً، حاول عضو "كتلة الوفاء للمقاومة"النائب حسن فضل الله تظهير "استقلالية" قرار حزبه، فقال "إنَّ قرار المقاومة قرار لبناني تأخذه قيادتها، ولا أحد في الخارج ولا في الداخل يمليه عليها". وأضاف: "هناك من يشغل اللبنانيين بترداد شعار قرار الحرب والسلم بيد الدولة وكأنَّها هي من تملكه وليس العدو، أو من يصر الآن على طرح مبدأ حصرية السلاح في ظل الاحتلال والعدوان على بلدنا، فمثل هذه الموضوعات لا تناقش في ظل وجود احتلال، بل هي بحاجة إلى حوار على قواعد وطنية نعالج فيه القضايا الخلافية بعد أن نحرِّر الأرض ونعود إلى قرانا ونبنيها ونطلق سراح الأسرى". واعتبر "أنَّ المسار السياسي الَّذي سلكته السُّلطة في مفاوضاتها مع العدو وصل إلى طريق مسدود، وهو فاقم النتائج السلبيّة، ولم يؤدِ إلى أي حلول، بل استغلَّ العدو هذه المفاوضات لممارسة مزيد من الارتكابات".
في المقابل مضت "القوات اللبنانية" في مواجهة ممارسات "حزب الله" الأمنية، فتقدّم عضوا تكتل "الجمهورية القوية" النائبان غسان حاصباني ورازي الحاج بسؤال نيابي إلى الحكومة اللبنانية، عبر رئيس مجلس النواب، موجّه إلى وزيري الداخلية والبلديات والدفاع الوطني، على خلفية ما جرى في منطقة غاليري سمعان، حيث أفادت معلومات عن قيام مسلحين بتطويق دورية للشرطة القضائية أثناء تنفيذ استنابة قضائية صادرة عن النائب العام التمييزي لمداهمة مستودع أدوية منذ عشرة أيام.
وأكد حاصباني أن "الأخطر من الحادثة نفسها هو ما ورد في البيان الرسمي الصادر عن "حزب الله"، الذي أعلن صراحة وجود "آلية متفق عليها" مع الجهات الأمنية، واعتبر أن المداهمة حصلت في "منطقة ذات حساسية أمنية" من دون اعتماد تلك الآلية". وسأل: "من أعطى "حزب الله" صلاحية الاتفاق مع الأجهزة الأمنية على شروط تنفيذ مهامها؟ ومن قرّر أن هناك مناطق في لبنان تخضع لترتيبات أمنية خاصة؟ وهل بات تنفيذ الاستنابات القضائية يحتاج إلى تنسيق مسبق مع جهة حزبية؟".
مشورع موازنة 2027
ووسط هذه الأجواء، بدأت لجنة المال النيابية عقد جلساتها المخصصة لمناقشة مشروع موازنة السنة 2027. وبعد الجلسة الأولى أكد رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان أن وصول المشروع ضمن المهلة الدستورية يُحسب للحكومة، مشدداً في المقابل على رفض فرض رسوم وضرائب جديدة في ظل الانكماش الاقتصادي واحتجاز الودائع. كما طالب بإنجاز الحسابات المالية، وإعادة هيكلة القطاع العام، والتوصل إلى صيغة نهائية لقانون الفجوة المالية تحفظ حقوق المودعين.
في ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، نقل عن وزير المال تأكيده أن الطعن لم يؤثر سلباً في مسار الاتفاق، وقال: "استخدم رئيس الجمهورية حقه الدستوري في الطعن، وقد أصدر المجلس الدستوري قراره في هذا الشأن. ولا يفترض أن يشكّل ذلك عقبة أمام المسار الذي وصفه وزير المال بأنه جيد جداً، مؤكداً أن المفاوضات تسير بصورة جيدة، وأن الأجواء إيجابية بين مصرف لبنان وصندوق النقد الدولي والحكومة".
نبض