فرنسا تُعيد تموضعها بعد "اليونيفيل": الجيش اللبناني بوابة الحضور الأوروبي
يبدو أن باريس بدأت تخفّض سقف طرحها في شأن اليوم التالي لـ"اليونيفيل"، من دون أن تتخلى عن الهدف الأساسي: إبقاء حضور أوروبي فاعل في الجنوب ومنع نشوء فراغ أمني بعد انتهاء المهمة الدولية. لكن الفارق هذه المرة أن فرنسا لا تتحدث عن قوة تنتشر في الجنوب لتحل محل "اليونيفيل"، بل عن قوة أوروبية تأتي لمساندة الجيش اللبناني.
هذا التحول في اللغة ليس تفصيلاً. ففي حديثه إلى "النهار"، يقول السفير الفرنسي باتريك دوريل بوضوح إن القوة التي تعمل فرنسا وإيطاليا على تشكيلها ليست قوة انتشار في الجنوب، بل قوة لمساعدة الجيش ومواكبته، وتعمل تحت مظلة الأمم المتحدة. هذا التوصيف يضع المقترح الفرنسي في إطار مختلف عن فكرة إنشاء "يونيفيل" جديدة بتركيبة أوروبية.

من بديل إلى ذراع مساندة للجيش اللبناني
في الأشهر الأخيرة، كان البحث الأوروبي يتركز على منع الفراغ الذي قد يتركه انتهاء مهمة "اليونيفيل"، مع طرح أفكار عن قوة متعددة الجنسيات تشارك فيها دول أوروبية، في مقدمها فرنسا وإيطاليا. لكن هذا المسار يصطدم بحسابات أميركية وإسرائيلية ولبنانية مختلفة، ولا سيما أن واشنطن تدفع في اتجاه أن تكون المسؤولية الأمنية في الجنوب من اختصاص الجيش اللبناني، فيما لا تبدو إسرائيل راغبة في صيغة تستنسخ حضوراً دولياً جديداً في المنطقة.
في هذا السياق، تبدو الصيغة التي يقدمها دوريل محاولة لإعادة تسويق الفكرة من بوابة أكثر قبولاً: لا قوة أوروبية تحل محل الجيش، بل قوة أوروبية تساعده على القيام بالمهمة.
المعنى السياسي لذلك أن باريس لا تبدو كأنها تتراجع عن مبدأ الحضور الأوروبي، وإنما عن شكل هذا الحضور. فالانتشار المستقل يمكن أن يُفهم باعتباره بديلاً من "اليونيفيل"، أما التدريب والتجهيز والمواكبة والخبرات وآليات الدعم، فتندرج في إطار تقوية المؤسسة اللبنانية التي يفترض أن تتولى الأمن على أرضها. وهنا يصبح الجيش اللبناني مفتاح المقترح كله.
باريس لا تريد الفراغ
المسألة بالنسبة إلى فرنسا ليست تقنية فقط. فمع انتهاء ولاية "اليونيفيل"، تبرز خشية أوروبية من مرحلة بلا آلية دولية واضحة للتحقق والمراقبة والمساعدة، فيما لا تزال مهمة الجيش اللبناني كبيرة وحساسة، خصوصاً في ظل ترتيبات وقف النار ومسار حصر السلاح بيد الدولة.
لذلك، فإن وضع الجيش في قلب المبادرة الأوروبية يسمح لباريس بالجمع بين هدفين: الحفاظ على دور أوروبي في ترتيبات الجنوب، وعدم الظهور بمظهر من يريد انتزاع الدور الأمني من المؤسسة العسكرية اللبنانية.
لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في التفاصيل. فإذا كانت "المساندة" تعني تدريباً وتجهيزاً واستشارات، فنحن أمام صيغة جديدة فعلاً. أما إذا شملت مواكبة ميدانية ومراقبة وتحققاً على الأرض، فإن النقاش سيعود حكماً إلى حدود الدور الأوروبي وطبيعته ومن يعطيه التفويض.
لذا يصعب قراءة كلام السفير على أنه مجرد تراجع فرنسي عن فكرة القوة البديلة. الأدقّ أنه إعادة تموضع للمبادرة الفرنسية بما يجعلها أكثر قابلية للقبول: الحضور الأوروبي يبقى، ولكن من بوابة الجيش اللبناني لا من موقع يحل محله.
وفي نهاية المطاف، المعركة على ما بعد "اليونيفيل" لن تكون على اسم القوة أو جنسيتها فقط، بل على السؤال الأكثر حساسية: من يملأ الفراغ في جنوب لبنان؟ ومن يملك القرار الأمني فيه؟ تبدو باريس من خلال الصيغة الجديدة، كأنها تقترح أن تكون الإجابة: الجيش اللبناني، ولكن بمساندة أوروبية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ما سبب عدم التزام الموعد المحدد في الشهر الحالي؟ وهل من موعد جديد؟
نبض