رميش وعين إبل ودبل: هل وُلد "الشريط الأمني" داخل لبنان؟
الجيش الإسرائيلي فرض قيوداً على التنقل، وحصر الطريق إلى العمق عبر الناقورة، فيما باتت حركة السكان تتم ضمن قوافل منسقة مسبقاً، بمواكبة الجيش اللبناني و"اليونيفيل"
ماذا يعني أن يحتاج اللبناني إلى تسجيل اسمه ورقم سيارته قبل 48 أو 72 ساعة كي يدخل بلدته أو يغادرها؟ وماذا يعني أن تتحول الطريق نحو القرية إلى قافلة، والقافلة إلى لائحة أسماء، واللائحة إلى موافقة أمنية؟
في رميش وعين إبل ودبل، ثلاث بلدات مسيحية في قضاء بنت جبيل، لم تعد هذه الأسئلة افتراضية. إنها جزء من يوميات الأهالي الذين اختاروا البقاء في أرضهم رغم الحرب والاحتلال الإسرائيلي للبلدات المحيطة.
المشهد هنا لا يشبه إغلاقاً كاملاً للقرى، لكنه بالتأكيد ليس حركة مدنية طبيعية. الجيش الإسرائيلي فرض قيوداً على التنقل، وحصر الطريق إلى العمق عبر الناقورة، فيما باتت حركة السكان تتم ضمن قوافل منسقة مسبقاً، بمواكبة الجيش اللبناني و"اليونيفيل". لا سيارة منفردة تعبر، والبيانات تُرفع مسبقاً، من أسماء الركاب إلى أرقام السيارات، لضمان التنسيق اللازم من أجل المرور.
تنطلق يومياً قافلة واحدة على الأقل من إحدى البلدات الثلاث، وقد تتشارك بلدتان أو أكثر القافلة نفسها. الجيش اللبناني يواكب جزءاً من الطريق، ثم تتولى "اليونيفيل" المواكبة وصولاً إلى القرى.
رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش يقول لـ"النهار" إن لكل بلدة موعداً للقافلة، والموافقة تأتي مبدئيا خلال نحو 48 ساعة، ولا يحصل التأخير عادة إلا في حال وجود عمليات عسكرية أو تبدل في الوضع الأمني.
أما في رميش، فالصورة أكثر وضوحاً. رئيس البلدية حنا العميل يوضح أن السكان "لا يتمتعون بحرية التنقل" منذ بدء الحرب، والخروج من البلدة أو الدخول بات مرتبطاً بالقوافل والتنسيق المسبق. وقد تصل مهلة إبلاغ الجيش بالحركة إلى 72 ساعة.
حتى الطريق تغيّر مفهومه. الرحلة من رميش إلى بيروت، التي كانت تستغرق نحو ثلاث ساعات في أسوأ الأحوال، قد تصل اليوم إلى ست ساعات، ليس بسبب المسافة، بل بفعل آلية العبور والمواكبة والانتظار.
قرية بقيت... بأيّ ثمن؟
نحو ستة آلاف شخص لا يزالون في رميش، وفق رئيس بلديتها، إضافة إلى 250 شخصاً من القرى المجاورة وعدد من النازحين السوريين. نصف سكان البلدة تقريباً أو أكثر غادروا إلى بيروت أو الاغتراب، فيما اختار الباقون البقاء.
المشكلة لم تعد أمنية فقط. في عين إبل مستوصف يوفر الرعاية الأولية، ومثله في رميش، فيما يتولى الصليب الأحمر نقل الحالات الحرجة. وتصل المساعدات الغذائية عبر "كاريتاس" وجهات أممية، بينما تحاول البلديات توفير الحاجات الأساسية.
أما المدارس، فالسؤال المطروح هو كيف يعاد فتحها في ظل قيود الحركة؟ فالتلميذ الذي يدرس خارج بلدته، والمدرس الذي يأتي من الخارج، والموظف الذي يحتاج إلى التنقل يومياً، جميعهم باتوا جزءاً من معادلة أمنية لا علاقة لهم بها. إلا أن العميل وخريش يؤكدان أن المدارس الموجودة في البلدات ستفتح أبوابها على الرغم من تراجع عدد التلاميذ
.
والاقتصاد يدفع الثمن أيضاً. يقول العميل إن أعمال الأهالي توقفت إلى حد كبير، وسكان رميش لم يتمكنوا من قطاف مواسم الزيتون خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما باتت عائلات غير قادرة على تسديد الأقساط المدرسية.
في المقابل، لا تعيش القرى المسيحية في قضاء مرجعيون الواقع نفسه. ففي القليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك ودير ميماس، الحركة إلى العمق اللبناني أكثر سهولة، عبر طرق البقاع الغربي وحاصبيا، وإن كانت المنطقة تشهد إجراءات أمنية أخرى، بينها منع استضافة نازحين من القرى المحيطة وقيود على التصوير قرب بعض المواقع الحساسة.
واللافت أن القيود في بنت جبيل لم تبقَ شأناً محلياً. فبحسب المعلومات، تحرك الفاتيكان عبر سفيره في لبنان لدى الولايات المتحدة في محاولة لمنع تشديد القيود على حركة سكان القرى المسيحية.
"شريط أمني"
السؤال الذي تطرحه رميش وعين إبل ودبل اليوم ليس فقط كيف تعبر القافلة؟ بل إلى أين يمكن أن يصل هذا الواقع؟ فحين يصبح دخول القرية والخروج منها مرتبطاً بموافقة مسبقة، وحين تُسجل أسماء الركاب وأرقام السيارات وتحدد مواعيد الحركة، وحين تصبح المدرسة والمستوصف والمزرعة رهينة الوضع الأمني، فإن الحدود لا تعود مجرد خط جغرافي.
قد لا يكون ما يجري "شريطاً أمنياً" معلناً، لكن الحياة اليومية في هذه القرى بدأت تحمل بعض سماته. والمفارقة أن الأهالي الذين يتمسكون بأرضهم وبلداتهم لا يطلبون أكثر من أن يتمكنوا من الوصول إليها والخروج منها كأي لبناني آخر.
فهل المطلوب أن تبقى هذه القرى مأهولة فقط، أو أن تبقى أيضاً جزءاً طبيعياً من لبنان؟
نبض